لا تقطع حبل ود مع منتقد

522

ما أغرب حال المتعنتين، أولئك الذين يتأففون أمام كل محاولة انتقاد قد تكون هي المفتاح المنشود للعبور نحو تجربة جديدة، وهنا تحضرني عبارة المؤلف الأمريكي “نورمان فينسنت بيل” حين أشار إلى أن “مشكلة معظمنا هو أننا نفضل أن يقضي علينا المديح، على أن ينقذنا النقد.”

وكم تتلبسنا تلك العصبية الغبية للموقف، غافلين أنها حكم إعدام اختياري، ورد فعل متعنت اتجاه الرأي الآخر، دون أن نفتح القوس على فرضية ماذا لو كان الخيط الذي ينقصني بيد الطرف الآخر؟ وماذا لو أخرجنا النقد من خانة أحكامنا المسبقة، إلى مساحة حسن الظن لنُفسح المجال أمام مراجعات مفصلية، أو خطوات ترميم قد تبعث الروح في أفكار أو مشاريع أو يوميات روتين قاتل.

إياك أن تُفلت ذلك الخيط الذي يجد طريقه نحوك في صورة نقد يقدم لك عوراتك على طبق من ذهب، وكم نُفوِّت نحن هذه الفرص حين نعتقد أن الانتقاد تهجم، أو تنقيص، أو محاولة استعراض متوارية خلف نصيحة أو توجيه. وكم يفضح رد فعلنا اتجاه النقد تلك الأرضية الهشة التي نقف عليها، لنتخذ وضعية المدافع المتشنج الذي يبحث باستماتة عن ثغرة يتسلل منها في صورة مهاجم ليرد الصاع صاعين، وكأن الانتقاد إعلان حرب.

ومن المحزن دائما أن نقفز فوق ذلك الموروث الذي يقتضي المنطق أن نكون في مرحلة جني ثماره، بدل اجتراره كلما أتيحت لنا الفرصة لنردد مقولة الإمام الشافعي: “رأيي صَواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، ثم نمضي بسلام ونحن نعتقد أن هذه العبارة صحيحة جدا في حق غيرنا، وأننا دائما ذلك المجتهد الذي نال الأجرين متعاليا على فرضية الخطأ.

مقالات مرتبطة

عقلي وقلبي!

أزمة التثقيف

أعتقد أن حسن التعامل مع فكرة الانتقاد، من شأنها أن تفتح لنا في كل مرحلة بابا جديدا، أو تُزكي اختياراتنا الأولى، علينا فقط أن نستوعب أننا بعيدون دائما عن الكمال، وأن القبول بنقد الآخر أو توجيهه ليس إقرارا له بالكمال، بقدر ما يُحيل الوضع بكل بساطة إلى أن الطرف الآخر يقف في مكان لم تتح لنا بعد فرصة الوقوف فيه لنرى الأمور بعين مُخالِفة، وسيكون من الممتع أن تفسح لنفسك المجال لتطوف حول الحقيقة بشكل دوري.

وفي وقتنا الحالي الذي ننفتح فيه على الآخر بفضل ما تقدمه التكنولوجيا الحديثة، سنكون دائما مُحاطين بالكثير من الآراء حد الارتباك في تحديد ما يراد من ذلك الانتقاد الموجه لنا بطرق تتراوح ما بين اللباقة والفظاظة، إلى جانب كم هائل من القبول لما نحن عليه، والذي ينتهي في الغالب بأن نبقى على ما نحن عليه دون التفكير في التغيير، أو الحصول على جرعة تحفيز تدفعك للمضي في طريق سبق أن اخترته، ونحن هنا مُخيَّرون بين خانة الراحة وخانة القلق، أو كما قال “جوهانس كيلبر” عالم الرياضيات الألماني: “أُفضِّل النقد الحاد من شخص واحد ذكي، على التأييد الأعمى من الأغلبية”.

ومن يدري، فلعل هذا الشخص الذكي بنقده الحاد قد يضعك أمام خيارات من الجميل أن تكون جميعها في صالحك، فقد تكون بالفعل تلقيت إشارة بأنك في الطريق الخطأ، أو الفكرة الخطأ، وقد يكون هذا النقد تشخيصا لنقطة ضعف يكون الانتباه لها فرصة لتدارك ما فات لتعيد صياغة قناعاتك أو مشاريعك بطريقة أكثر تماسكا، وفي منفذ آخر قد يكون هذا النقد بمثابة فتح قوس على قناعة جديدة دون التخلي عن السابقة، فمن الجميل دائما أن تُطل على هذه الحياة من واجهات متعددة.

وفي الوقت الذي يركن فيه معظمنا لعدد السنوات التي راكم فيها فعل شيء أو تبني فكرة أو ممارسة طقس، فإننا نتوهم أن ما نحن عليه قد أصبح جاهزا لأخذ مكانه ضمن لائحة مقدساتنا بمبرر الأقدمية والعادة التي تغتال فينا دهشة البدايات، لتضيع منا فرصة الوقوف على ارتفاع آخر يبدو منه المشهد أكثر وضوحا .. لذلك لا بأس من تكرار قولها، إياك أن تفلت تلك الإشارة القادمة في صورة انتقاد، وإياك أن تقطع حبل ود مع منتقد.