كتابة الجدران والتنفيس عن الذات

172

عندما نتجول في العديد من المدن نجد كتابات عديدة ومختلفة على الجدران، سواء جدران المنازل أو البنايات العمومية ثم الخاصة، ثم المؤسسات التعليمية بمختلف أسلاكها.

فكتابة الجدران لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت منذ القدم، لما نجده في المغارات والزنازين؛ حيث يعبر كل فرد عن أفراحه وأتراحه، عبر الكلمة إضافة إلى الرسم والرموز؛ لأنها متنفس يجد فيه المرء ذاته، وهو مجال للتعبير عما يتوق إليه الإنسان أو ما يكره أيضا في بعض الأحيان؛ لأنه لا يستطيع أن يصل إلى عدوه بشكل مباشر، فلا يجد وسيلة أجدى من اللجوء إلى الكتابة على الجدران وتوجيه رسائل معينة إلى الخصم، هذا الأخير المتعالي عن الطرف الأخر، والذي يشكل شوكة في الحلق.

ونجد العكس أيضا فيما يتعلق بعنصر الحب؛ وهو الثيمة المهيمنة في الكتابات الجدارية، في الأماكن العمومية بشكل مستفيض، حيث يلجأ العاشق بين قوسين إلى توجيه كتابات تضمر مجموعة من الرسائل والأنساق، التي يتوق العاشق الحصول عليها من الطرف الآخر (المعشوقة)، هذه الأخيرة التي تختلس من العاشق كل شيء، انطلاقا من نظراته، مرورا بأحاسيسه، وصولا إلى قلبه، الذي يصبح ملكا لها دون أن يكون هناك أي تمنع أو امتناع.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك كتابة على الجدران استوقفتني في أحد الأماكن، مما جعلني ألتقط صورة لها. والشيء الغريب فيها هو تلك المفارقة على مستوى الصور واللغة، إضافة إلى العديد من الرسائل التي تضمرها، وذلك ما سنشير إليه بشكل مفصل.

“تبتسمين بشكل يرتب خراب القلب. حياة ♡” ..هكذا تم كتابة هذه الجملة على جدار الثانوية.
قد يكون اختيار المكان ليس فجائيا، بل هناك علاقة ما بين ما كُتب وبين المكان الذي كتب فيه.

إذا عدنا إلى هذه الجملة وتأملناها جيدا، يمكننا تحليلها بشكل جزئي؛ حيث نجد مجموعة من المفارقات داخلها، من قبيل:

الفرح: ويتجلى ذلك في الابتسامة، إضافة إلى استحضار عنصر الترتيب والتصنيف لشيء مبعثر (ترتيب ما يوجد في القلب).وهنا نجد أن عنصر التصنيف قد أُدرج في عضو يهتم بالأحاسيس، فالتراتبية تُفضي بنا إلى المفاضلة والتمييز بين أمرين، هذا أفضل من هذا، مما يدل على أن القلب له ميزة التصنيف لمجموعة من الأشياء في الحياة.

الخراب: ويدل هذا على أن هناك شيئا قبل له هيئة، ولم يتم لمسه أو رَجُّه ليحدث له تصدع أو عبث. وهذا الشيء هو (القلب) الذي يحمل دلالات عديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الحياة، والاشتياق، والحب، والعاطفة، والألفة، والمودة، والذكريات والحنين… فهذه العبارات كلها يجمعها قلب الإنسان الذي يبحث دائما عن الطرف الآخر، ليحنو عليه، فالقلب مكان تودع فيه الأسرار وموضِعُ الأمنيات، به يحيا الإنسان ويعيش.

ثم نجد كلمة “حياة” وهي كلمة جامعة لما تم الإشارة إليه، قد تكون عبارة عن اسم علم لفتاة أحبها صاحب الجملة، ولكن عراقيلا ما حالت بينه وبين معشوقته (حياة). ثم لجأ إلى خط هذه الجملة على جدار، وختمها برسم قلب بجانب كلمة (حياة)، هذه الأخيرة التي نعيشها ونحياها جميعا داخل عالم مترع بالتناقضات، فكل منا يبحث عن مبتغاه، وعن الحياة ليحياها بطرق مختلفة.

تعتبر كتابة الجدران، كتابة التمرد ضد كل الأنماط التي تُكبل حرية الفرد في الوصول إلى هدفه، إضافة إلى أنها تعتبر تنفيسا عن الذات من أجل الشعور بقليل من الراحة، وتحدي رقابة المجتمع والتقاليد والأعراف، التي تقيد حرية الأفراد.