قصاصات في سلة المهملات

217

ثمة أسرار لا تنبسها الشفاه المعذبة التي تمشي بأرواحها الجافة بين نسمات الحياة، وبأميالها اليابسة على بطن الأرض، ولا ينبغي لها ذلك، بعض الأسرار مَصيرها، لا محالة، الإِضْمار، والإبطان في دروب وأزقة الكِتْمان، فلكل امرئ عالم باطني سحيق خاص به، لا تلمسه الأيادي البشرية، ولا يَتشابه وعوالم الآخرين، تماماً كما لا تتشابه بصمات التوائم..!

هذا العالم الخفي له أصوات تتلجلج بين ماض قريب وحاضر زئبقي ومستقبل ضبابي بعيد.. ( Blurry Vision ).

تلك الأصوات الصامتة التي لا يُسمع رنين أوجاعها، تتردد فقط بين جدران المُنحدرين من جبال الصمت الشاهقة، هؤلاء الصامتين الذي يبعثون حياة صمتهم الغَائرِ على الأوراق، نجدهم يرمون شيئاً من صمتهم في ذاكرة النسيان، أما الباقي فيُرمى في حاوية الأزبال مع القمامة..

صديقي إنسان خفيف الشَّفةِ، لا يتحدث إلا لِماماً، وإذا تكلم فإني أقرأ كلماته الصامتة التي يكتبها في وريقات صغيرة الحجم، ثم يرمي بها في سلة المهملات..

اكتشفت هاته العادة الغريبة صُدفةً بعد أسابيع طويلة، دون أن ينتبه إليَّ، وإني لأتحسر على الوريقات التي رُمِيَّتْ ولم أقرأها من قبل ..

أما اليوم، فسأقرأ عليكم ورقةً خرساء من الوريقات التي رُميت، لعل أُذناً باطنية تسمع رنين حروف صديقي الصامتة.

يقول صديقي:

“أنا لست حكيماً، ولا فَقيهاً يبيع ويشتري في الكلام، ولا فقيراً، أو شحّاذاً يستنجد الناس الطعام، ولا غنياً يسبح في بِركة الأموال أو يخشى أن يغرق في يمِّ الإِمْلاق ..!!

أنا إنسان يَتفقهُ الأحاسيس المطوية، المثنيةِ مثل شراشفِ النسيان..

أنا فقير حين يفرغ قلبي من الإحسان، أبحث عن فتات الإِنَالةِ أينما رُميت فأزرعها في روحي، وأُميط الإساءة والتَقْتير لأدفنها تحت الثَّرى.

أنا غني حين أرتوي من أنهار الحب، وأغترف من بحور المُصافاةِ قبل أن تجف.. وفقير حينما تفرغ أنياط قلبي من حِسِّ الإنسانية..

أيها الإنسان، دع الإنسانية تسكن قلبك، فإن فعلت، سكنت روحك، وحفظت أموالك، واستقرت نفسك، وسر وجدانك، ولن تضَلَّ الطريق مهما هدَّك السفر وأعيتك مسالكه.”

بعد أن قرأت عليكم ما أمدده صديقي من كلمات، وضعت ورقته بين دفتي كتابي، ثم وجدتني أسأل روحي بعد أن تشبعت بكلماتهِ: “هل أنا كائن إنساني في عصر التكنولوجيا وثورة الصناعات، أم أن قلبي صار كآلة حدباء صدئة، فُكت لوالبها..!؟