الكتابة…زائرتنا المنتظرة!

251

هي لحظة بين شبق أدبي وهذيان لا تصدقه جوارحك، بعد غياب طالت مدته، بعد أن ركنت طويلا في غياهب النسيان وتصلبت على مشارف الأحزان..بعد أن تم الإغلاق على الكلمات داخل حشاشتك لتركها تتعارك، وتتصارع، وتختمر وتتوالد، في انتظار عودة الكتابة للسماح لها بالخروج.
عندما لا تصدق بأنك ستكتب وأن حبرك سيسيل من جديد، وسينعي، وسيمدح، وسيتذمر وسيشتم…تسرع لتبدأ ب “سأكتب”، وكأنك تحاول جعل عقلك يستوعب سيناريو تدشين كتابة جديدة، بعد فترة من الاحتضار.

الكتابة هذه يا صديقي، هي الزائرة بعزة نفسها، بعد اشتياقك لها، بعد تكدس الكلمات بين مفاصلك كالصدأ؛ قد تزورك وأنت منزوٍ بالمقعد الخلفي للحافلة، أو على متن قطار التهم فرائسه الدسمة؛ تزورك أثناء تأملاتك الليلية مرفقة بحنين دافئ، أو أثناء احتسائك لقهوتك الصباحية؛ فتحرك فيك عاطفة عفوية…فتبدو كالنوتة العليا في سيمفونية في المكان الصحيح والوقت الصحيح.
هي ارتقاء كامل ومفاجئ ينتقي زبناءه بعناية فائقة، يجعلهم يتركون عقلهم يهيم ويحررون أنفسهم من عقلانيتهم ليصبحوا لا شيء سوى كتلة من الجزيئات الراقصة على حافة اللغة والكلمات.

 فعل الكتابة أشبه بأن تجد نفسك وجها لوجه مع وضع تخيلت أنه فوق العادة، تترنم له وتسعد عند وقوعهيسبقه شرك من الأفكار أشبه بنسيج العنكبوت الدبق، تفكه وتحيكه الكتابة على شكل عبارات تحكي ما يتخلل ذاكرتنا المخملية أو ما يعترينا من أفكار ومواقف حول قضية ما!
الكتابة هي حجة وجود الإنسان، هي ما تجعله معترفا به، فارضا نفسه أمام ذاته أولا ومن بعدها على الغير، هي ما تجعله يستمر ويسير ويتقدم نحو الأمام.

لولا الكتابة لكان قد انتحر الكثير، ولولاها لبقيت أفكارنا ككبة خيطان متشابكة، معروضة للعدم والعبث حتى تنصهر مع الوقت…وتنسى للأبد. وبفضل ما كتبته تستطيع مطابقة التواريخ وعيش اللحظة كلما زارك الحنين…
هي بخلاصة موروثك الذي صنعته بيديك.
فإذا غابت عنك لا تيأس، اصبر وصابر فهي لن تنساك، وستزورك في الوقت المناسب، فقط كن دائما على استعداد لتلك اللحظة التي ما بعدها لن يشبه أبدا الذي سبقها.