دخان

427

بعد متاهة الانشغال لأشهر، عدت إلى مواقع التواصل الاجتماعي باحثا بين مستخدميها عما أضحى يشد اهتمامهم ويُلهي وقتهم قبل أن يؤنسه، فألفيت تحديا لم أفهم معناه ابتداء ولا المغزى منه، لكن قشرته كانت لامعة وكافية لتُخدر مخيلتي عن واقعها وتسرح بها في الزمن العكسي إلى الوراء بنفس قدر التحدي الذي رأيته قبل عشر سنين.

كنت تلميذا في الابتدائية بإحدى مدن تافيلالت، أدرس كغيري في مؤسسة تعليم خاص بثمن معقول ومردود مقبول.كان جل أبناء رجال التعليم يدرسون فيها، وكأن هناك طريقا سوية واحدة لا بد أن يسلكها الكل تماما كالشارع الرئيسي الوحيد في المدينة والذي منه تنبثق الأحياء.

أدركت وأنا في غياهب التذكر أن البعض كانوا يعتبرون متمردين فقط لأنهم كانوا يختارون استباق بعض الإجراءات الحتمية في حياتهم كالصوم والصلاة قبل البلوغ، أو حتى اختيار حلاقة الظاهرة رونالدو موضة في وقتها. كان الناس هناك قلة لدرجة تجعل الكل متشبها بالكل، وما عدا ذلك خارج عن النظام مارق عن الملة.

كان سقف الأحلام هناك متدنيا عكس ارتفاع المدينة عن سطح البحر، وكانت مهنة التدريس – وهي مهنة عظيمة – منذ مدة طويلة منتهى سقف الأحلام، والسيارات الفرنسية أفخم ما يركب..لا ماركات فاخرة في المتاجر ولا عطور عالمية تباع، هذا ما يسمى بتحكيم الحكمة ربما، فلست حكيم مسميات.

الناس هناك يرون الخير في جيل متعلم يحمي البلد..إن ارتأى صاحب البقالة أو أيا ممن تصادفهم أن يمنحك مقاما عليا ناداك “يا أستاذ “..
ولأن الجبال البيض كانت تحيطنا من كل جنب هناك، كان الناس يعتبرون الجار أخا، وشيخ الجامع مرشدا ومعلما، و مؤذن الحي أمينا على أسرارهم.
أتذكر حينها أن كلمة مرحبا كانت تعوض الرفض أحيانا وتعني القبول أحيانا أخرى كثيرة، وبفرط الأدب والترحاب، تطورت عندنا حينها حاسة تمييز “مرحبا الترحاب” عن “مرحبا الوداع”.

مقالات مرتبطة

وجدت في كتاب الذكريات المكسو بالغبار ملحوظة في ركن الصفحة تُدوِّن حدثا لخص سطورا كثيرة، حيث كان جيراننا الأمازيغ المقيمين قربنا حديثا يجهزون عرسا – وهذا أمر غير حصري – لكن الفريد لديهم تلك الأطباق المخصصة لكل أهل الحي ممن لم يحضروا لعذر أو لآخر، و كان رفض طبق العرس هذا كبيرة مغلظة.. كان الاحتفال حينها يستغرق أسبوعا أو أكثر، ربما كانوا يدركون بذلك أن من اعتذر فقد تحجج ليس إلا..

لم يوقظني من عسل الذكريات هذا إلا قطرة سوداء من دخان تسامى إلى سقف الغرفة ليحل فجأة على جبيني، تذكرت حينها بأنني في العاصمة، حيث لا جبال تحيط بنا ولا آفاق تحدنا. هنا الكل يهرول كل صباح خلف كسرة خبز يسد بها رمقه ورمق من علقوا برقبته وربطتهم به مسؤولية الحياة.

هنا قد تقطن في عمارة من مائة شقة لا يربطك بالجيران إلا مصعد الإقامة.. هنا قد تموت، ولا يكتشف أحد ذلك إلا بعد أن تتحلل..هنا طبق العشرة يسع الواحد، والعكس ليس صحيحا أبدا..هنا صُم أو أفطر، صل أو اترك، حج أو اعتمر..كل يهرب من ظله، ومن ظلك إن تقاطع الظلان.
غير أن هؤلاء ممن ظننتهم أنانيين كانوا يركبون سيارات أفخم، بسقف أحلام أعلى، ومدارس أرقى، ومستشفيات أحدث…
أالعيب في الابتسامة من عدمها؟ أم أن الأمر يتعدى ذلك بكثير..

مسحت قطرة الدخان بإصبعي، وكتبت بها على جدار غرفتي خلاصة ما أوصلتني إليه هلاوسي. فدخان السيارات الفخمة قد يُولد القسوة..والقسوة تفرز الأنانية، والأنانية تُورّث حب الحياة، وحب الحياة يخلق رغبة أكبر في الاستئثار بكل شيء فلا تقتسمه مع أحد أبدا…أتممت تأملاتي وهلوساتي..وإذا بي ألمح اختفاء حبر حروفي..وغابت كل كلمات افتتاحيتي..إلا كلمة أصرت على البقاء بإلحاح..فهي تلخص كل ما رمقته في مواقع التواصل التي هجرت..إنها كلمة “دخان”…