هل ندع الحسد يحجب أفراح الحياة؟

301

“الكتمان”،”الحرص على إتمام الأمور بعيدا عن أعين الناس”،”كل نعمة لها محسود”،”كل فرحة ستختفي إن تدخلت فيها العين البشرية”، كلها كلمات وآثار حقيقية لكنها مع التوارث الشعبي وطريقة التربية التي تحتاج لمراجعة، ونظرا أيضا لضعف اللياقة النفسية للأشخاص تتحول لجبل من المخاوف والتوقعات السلبية التي تفقدك طعم الاستمتاع باللحظة المُعاشة..
عايشت قصصا واقعية، لاشتغالي بمجال الإرشاد النفسي، لأشخاص تدهورت حياتهم، وتغيرت ظروفهم للأسوأ بسبب (عين الحسد)..

لا جدال في أن العين حق، لكننا من يتحكم في مناعتنا النفسية..نحن من نترك مساحات الفراغ الروحي والفكري تتسع لتجد الأفكار المحبطة مستنقعا خصبا تتوالد فيه، ثم تتحول بذلك لأشكال ضخمة ومخيفة وهدامة لكل معاني التفاؤل والإقبال على الحياة الطيبة..

وهنا أستحضر ما سمعته يوما من الدكتور وليد فتيحي الذي وضح أن: ”العاطفة السلبية سامة للجسد وتخل بتوازنه وتناغمه، البغض والكراهية، القلق والخوف، الحزن والأسى، الحقد والغضب، الغيرة والحسد.. كلها مشاعر سلبية تكبح تدفق الطاقة الإيجابية في الجسد وتؤدي إلى أمراض جسدية وعقلية ونفسية على المدى البعيد”، فكم من مُتوجس من شر الإنس والجن أسقط صاحبه في الوساوس المنغصة والمقلقة، وتحول لكائن بشري متشائم، ومنغلق ومتكتم، إضافة إلى خسارة علاقات إنسانية جيدة، وكذا فقدان الثقة في الآخرين، مع ضعف تقدير الذات والتركيز على نظرة الآخر إلينا وإلى تفاصيل حياتنا مع سوء الظن به..

 

 

والخطير في كل ذلك أن يتحول المرء إلى مدافع شرس، وقح أحيانا كثيرة ليحافظ على توازانه الاجتماعي.
الإنسان الذي ينفق من طاقته، ووقته، وجهده وأحيانا ماله، لينغص على الناس حياتهم، إنسان مأسوف عليه، بحياة خالية من الأهداف والأحلام العظيمة..

لا يمكن أن نتأثر سلبا بأشخاص فقدوا بوصلة الحياة وخسروا قيادة حياتهم، ندعو لهم بالهداية، ونسأل الله ألا نكون منهم.
أنا لا أدعو هنا إلى التشكيك في قضية الحسد، بل أنبه إلا أن نضع هذه المسألة في قالبها الطبيعي دون زيادة ولا نقصان، فلا تتحول إلى هاجس يقلق راحة بالنا، ولنتذكر أن المنع والعطاء خاصية الحياة الدنيا، فلا كمال إلا لله..

وليست هناك سعادة مكتملة الأركان إلى حد الجنون والانبهار، إنما هناك أشخاص اختاروا أن يعيشوا لحظات المحبة والعطايا بكل حرص، وأن يتجملوا بالرضا والقناعة عند حدوث الحرمان، والضعف والخسران.
مهمتنا في الأرض يا أصدقاء أن نشتغل على صفاء وطهر قلوبنا، ألا نحمل فيه ذرة تفاخر ولا تكبر، وأن نتواضع ما استطعنا، ولنتذكر أن النعم من المنعم، وأن الأسباب لها مسبب عظيم، وحسيب ورقيب على نياتنا وأقوالنا وأفعالنا، رسالتنا ألا نحمل نكتات الضغينة والحقد والغيرة، فعلى قدر ما نحب للناس الخير وأن يكونوا سعداء، لن ينسانا الله، واهب الحياة، ومفرق الأرزاق ومدبر الأمور، أبدا لن ينسى أن يفرح أرواحا تحب وتتمنى كل خير وفضل للآخر..

الحسد طاقة سلبية، ووسوسة شيطانية ورسالة من النفس الأمارة بالسوء، فكرة سوداء تكتسح مساحات البياض والجمال في حياتنا، علينا بالتحصن والتوكل على الله الحفيظ، وأن نتبادل خطاب الإيجابية مع رفقة مرحة، مقبلة بحب على الحياة، وتؤمن أن الله هو سندها أولا وأخيرا وتؤمن أن بقدر الخير الذي قدمته ستنال كل جميل.