فوضى الحواس

343

في الحياة التي نحياها ونسير فيها كبهلوان على حبل وكنقطة ينجذب لها ضجيج الشوارع وأخبار الصحف والمجلات، الحياة التي نتدحرج فيها ككرة ثلج، وننهض ونتفتح فيها كزهرة الروز Rose، في سديم هذا الكون الفسيح لا ننتبه بطريقة غربية أننا نلمس، ونرى، ونسمع، ونتذوق ونشم.

فهل يا ترى أعدنا يوما النظر في ذلك وتساءلنا مثلا عن اللمس كيف يبدو حين تمر أصابعنا على بشرة طفل حديث الولادة، أو عن مصافحة حبيب عابر؟ أأحسسنا بخشونة الأثواب وليونة الورود؟ أتحسسنا صفحات الكتب القديمة لتدب فينا عمق الماضي؟ أتحاشت أصابعنا الزرع وغطست في صفاء المياه؟ أانغمرت في جسد الطبيعة وانزوت وتسللت جيوب الفقراء؟ أقرعت أيادينا أبواب الخير، أركعت، أاستعانت بخالقه؟

والعين، أغضت، أفتنت أم اختطفت، أليس في بريقها تدمع وفي ألوانها تحب، أتتعقب كمفتش شرطة غيرةً وتسهى منشغلة في متاهات الواقع؟ ألا تنخدع وتتحرك محاكية شرور الطبيعة؟ كيف لا نرى أنها ترى؟ ولماذا نطيل النظر والتمعن؟ أليس ذلك خضوعا منها وترجمة لقصورها؟ وماذا نختار لنسمع، أليست الموسيقى، فلن تجدوا خياراً عداها! ففيها الاختصار لأسرار الوجود، فهي تختفي عندما تركز وتنجلي عندما تشرد، والأذن أيضا تنصت للمعلم، وتخضع للبيت، وتحن للصديق وتترأف بالبعيد، وتطمس في القيل والقال وتنغمس لأن تصير جاذبية الإزعاج، ونتردد بالأذن إلى المساجد ونرمي بها في سكون المكتبات وهدوء البحار، ألا نفعل ذلك بها؟ وما الذي نتذوقه أولا مرارة الواقع أم حلاوة الإيمان، وماذا نحب التذوق عدا السكر والشكولاته، أقصد النساء طبعا.

ويخترق تذوقنا حدوده أن نصدر حكم قيمة، كما يجوز لنا في الآن نفسه أن نسن قوانين الموضة، إنه التذوق، تذوق الخير والشر، بمعنى سُكَّر الضحكات وملوحة الدموع. ونتنغم حينا آخرا مرور رائحة القهوة الصباحية، ونحيا بعطر رفيق دربنا، كما تكون أنوفنا طويلة فنشتم السيء ونعصي ونتطاول، وننهزم بالمقابل لعطر تراب سحيق بعد هطول المطر عليه ونستنشق أوكسجين الحاضر ونطرح أوكسيد كربون الماضي ونسير ونمضي بعد ذلك. ثم، نتكلم وفي الكلام نختصر كل شيء، نقول، ونتفوه، وننطق ونتحدث…

أولا نتسرع فنخسر، ثم نتأنى فيبتلعنا الوقت، ألا نتكلم في توافه الأمور غالبا ولا ننحصر إلا في القليل من العلوم، لا يمكن إنكار ذلك، لا يمكن أن نستسلم بالقول ولا يمكننا رفض الحديث، فالنفس تحن لنفسها رغما عن أنفنا، وللكلام لغة واللغات تختلف حسب نمط عيش البشر ولغات أعضاء أجسامنا، فالقلب لا يتحدث عن الحب إلا من خلال دقاته المتسارعة، والخدود لا تتورد إلا إذا احتشمت، والأيدي لا تتحرك إلا منفعلة وهكذا وهكذا…

هي الحواس التي لا نتفكر فيها، لا نراقبها بقدر ما تراقبنا وتخدمنا وتخدعنا في الوقت نفسه، وتبقى الحاسة الأقوى، حاسة الشعور، والإحساس، والاعتقاد والإيمان لأنها تنفطم من نافورة القلب وتنهمر في رحم الحياة دون أن نتفقدها؛ إنها سحر لا وصف له!! الحواس فوضى منظمة، كل شيء هو بقدرة قادر فلنتمعن ذواتنا لنصل لخالقها. يقول الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر عن هذا الكون: “إن الطبيعة كلها موزونة، من خفقان الحرارة إلى اهتزاز أوتار الكمان، ومن تموجات الضوء والحرارة والصوت إلى حركة المد والجزر في البحار، ومن تعاقب الليل والنهار إلى تعاقب الفصول وتغيرات المناخ، ومن تذبذب الذرة إلى نشأة وسقوط الشعوب والأمم ومولد وفناء النجوم!”