شرنقة القمع الذاتي

140
إنها ليلة عيد ميلاده السابع والعشرين، لكنه لا يعلم إن كان سعيدا أم لا. لقد اتخذ قرار تدوين بعض الكلمات، لعلها تكون أحسن البدايات لاستقبال يوم عيد ميلاده، لكن رغبته في الكتابة لا تكمن فقط في البحث عن الشيء الذي أسماه “أحسن البدايات”، وإنما هدفه استرجاع عادته القديمة التي “ارتد عنها منذ أمد”. لقد أراد استغلال هذا الحيز الزمني، أين شعر بالسعادة لحظة اتخاذ قرار الكتابة، لكن الأمر يتوقف على مدى تفعيل هذا القرار من عدمه.

إن تلك الكلمات تتجسد تدريجيا وفعليا على تلك الأوراق، يرمقها وكأنها أولى الكتابات التي دونها على “ورق العذاب”، تسمية أطلقها سابقا على إحدى مساهماته. إن استعماله لتلك الكلمات القديمة، المقدسة والخاصة يجعله يشعر بنوع من الفخر لحظة كتابتها وتوثيقها. إن عملية الاسترجاع ساعدته في استكمال ذلك الفعل المعتاد، بين فعلي التفكير والتدوين يواصل ذلك القلم تحطيم ذلك “الترباس المختوم” بلعنة الفشل المزعوم.
تدافعت تلك الكلمات لتروي ما أطبق على ذلك الفؤاد، أرادت وبشدة توثيق ذلك العذاب الذي كابدته الذات في غرفة المعاناة، أين صراخها غير مسموع، فقط مجرد دموع. إنه وبكل اختصار يستحضر قصيدته “مسمار في نعش مفكر.”
 
توقف للحظة ليقرأ ما قام بتدوينه، لقد بدت هكذا.
إن اتخاذ قرار الكتابة لم يكن بالأمر العادي، الهين والسهل بالنسبة له، لقد جاء هذا القرار نتيجة ضجره وكرهه لعادته البشعة ألا وهي الانطواء، والتقوقع وقمع ذات. لقد سئم هذه الطباع التي شكلت بالنسبة إليه مصدر إحباط وفشل في بعض الأحيان، لقد جعلت منه إنسانا غير قادرا على التعبير، الأمر الذي دفعه للبحث عن العزلة ومسايرة الحياة الاجتماعية والجماعية كدخيل. لقد شعر في بعض الأحيان أنه كائن متطفل يحاول فقط التعايش في ذلك المجتمع الذي كان – مع اتساعه وتقبله لجل الأطياف والشرائح – بالنسبة إليه شديد الضيق لعله في بعض الأوقات كان يعزب عليه التعايش فيه نتيجة شعوره بالاختناق.
 
لقد كانت فكرة الانسجام والتواصل مع ذلك المجتمع الحيوي والمتطور، أمرا مستحيلا يعزب عليه الخوض فيها. وبعد عناء ذلك التفكير، لم يجد سوى فعل القلم، إنه ذلك الفعل الذي ارتأى فيه تحرير ذاته وتخليصها من شرنقة القمع الذاتي المحبطة والمدمرة لكيانها. لقد أراد من ذلك القلم أن يتكلم مكانه، وأن يدافع عن حقوقه، وأن يجسد جوهره، وأن يساهم في إدماجه في تلك الحياة المعتادة وأن يعبر عن موقفه.
تدريجيا ومع اتخاذ قرار الكتابة وتفعيله، انتابه شعور من الارتياح، لقد تمكن من تحطيم شرنقة القمع التي لطالما قيدته ونفته، إنه الآن ينخرط في تلك الحياة الاجتماعية أين وجد كل الترحيب والقبول من مجتمع كان في اعتقاده مرعبا وإقصائيا، الأمر الذي دفعه لمواصلة متاهة القلم، إذ إنه مع كل مساهمة يكتسب معطى الثقة. إنه أخيرا يتواصل مع ذلك العالم الخارجي دون خشية وقلق.