الزواج بين الفردوسية والواقعية

1٬475
حسب المفكر المصري عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- يوجد نوعان من الحب:
الأول: حب رومانسي خارج عن الزمان والمكان، مؤقت، تعبر عنه قديما أشعار المحبين التي تتصور استحالة الحياة دون الوصال، ونسيان العالم، والأسرة، والوالدين، والعمل والقيود الاجتماعية عامة…يقتضي هذا الحب عند أصحابه فعل أي شيء من أجل الحبيب وتجاهل كل شيء من دونه، وأن تعيش المتعة معه والمتعة فقط…هو حب دون سبب وهو في حقيقته حب متمرد لا يتقيد بشيء، حتى بالدين.

 
الثاني: حب تساكني متعايش مع الواقع، أكثر دواما، يعترف بالقيود الزمنية والمكانية، أكثر اعتدالا، مثل النهر، يسلك طريقه حيث يجب أن يكون، يمر بأوقات جفاف وأوقات مطر، يسقى بالتضحية، والوفاء والذكريات الجميلة، وتقطع طريقه سدود الجفاء، والأنانية والذكريات السيئة…

عند كل متزوجين – يحب بعضهما بعضا -، يكون الحب في مرحلته الأولى رومانسيا، وهو ما يصطلح عليه بشهر العسل، ثم ينسحب هذا النوع المؤقت ولا يبقى منه إلا الذكريات، ليفسح الباب للنوع الثاني إن توفرت موارده من التضحية وحسن الخلق، وإلا خلف انقضاؤه فراغا وصحراء من الخلافات التي يذكيها اختلاف الطباع والآراء…فالزواج مغرم، ومغنم ومتعة لها تكاليف…يذهب الجمال ويبقى حسن الخلق، يذهب الحب الرمانسي ويبقى حب السكينة والرحمة، يختفي الحب التلقائي ويبقى الحب المؤسس على الإحسان والجهد…
 
تهتم الأغاني المعاصرة كثيرا بالنوع الأول، تطبل له وتدندن حوله، وتهمش الثاني مع أنه أدوم وأبقى…
إذا كانت الشهوة والمتعة هي أساس الأول، فالفعل الأخلاقي هو أساس الثاني..
الحب الأول جزء من الإنسان، ولكنه لا يمكن ولا يجوز إلا أن يكون مؤقتا، إنه لحظات تغافل، فنحن بشر مكلفون بأعمال ولحياتنا أبعاد عدة تشكل العلاقة الخاصة جزءا منها لا كلا…ويصل الأمر إلى أن هذه العلاقة الخاصة تصبح عبادة تدخل في إطار أوسع وليست هدفا في حد ذاته – وهو ما يناقض الرؤية الرومانسية بوضوح -، إنها قصة صغرى يجب أن تدخل في إطار القصة الكبرى، قصة مصير الإنسان ورسالته في الحياة..
 
شبه المسيري الزواج بالعمل الفني، بالنحت – وهو عمل شاق لمن يعرفه – جهد يفرز جمالا…
تتأمل رجلا كبيرا يضحي مع زوجته المسنة المريضة يخدمها وينفق ماله لأجلها، مع أنها فقدت كثيرا مما يمكن أن تقدمه له كامرأة، لم يعد الكثير من تراث الغزل والتشبب قابلا للانصهار في ذواتيهما، حين سيمدحها لن يذكر جمالها الجسدي بتفاصيله كما يفعل الكثير من الشعراء، بل سيمجد تضحياتها معه، كأن يقول: “نظفت ملابسي، وربت أولادي، وطببتني حين كنت مريضا.. كانت معي رحيمة…”
و لنا في رسول الله صلى الله عليه و سلم خير أسوة حين تحدث عن أمنا خديجة، عدد تضحياتها رضي الله عنها فقال: (آمنت بي حين كذبني الناس، واستني بمالها..)
لهذا الغرض ربما لم يذكر النوع الأول في القرآن فيما ورد النوع الثاني: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}
 
نصيحتي لكل زوج وزوجة: اسقوا زواجكم بحسن الخلق والتضحية، ولتكن لكم في سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم مع زوجاته أسوة حسنة.