من رحلة نحو القاع إلى غوص في الأعماق

384

قرأت ذات يوم جملة مفادها أن لا تسامح أحدا جعلك تتساءل أين رحمة الله وجعلك تشك في قرب الرحمة الإلهية منك. لا أدري لم أصابتني هذه الكلمات بحالة تشبه الذعر والحزن الشديدين في نفس الوقت. لربما لأنني في محطات من حياتي قابلت أشخاصا جعلوني أشعر بذلك الشك وأتساءل وأنا أتضرع إلى الله: أين هي الرحمة التي من المفروض أن تنتشلني من حالة تشبه الاكتئاب جراء ما تعرضت له من ظلم، وما لحقني من أذى، مع أشخاص قلوبهم أعمتها الأنانية والكبرياء المتغطرسة.

في رحلتي إلى القاع وما يُصاحب تلك الرحلات المظلمة من أفكار سوداوية وحالات تقلب المزاج والتي تصبح مفرطة أحيانا، دون أن ننسى تساقط الأصدقاء كما تتساقط الوُرَيْقات الصفراء للأشجار حين تهب رياح الخريف القوية فلا يبقى منها إلا ما يستحق أن يبقى. وجدت نفسي أقف وحيدة أمام نفسي ولا أتذكر أيا منا كانت تستغيث بالأخرى، وأيا منا كان يستوجب عليها الصمود وما إن كانت تملك من القوة ما يكفي لتصمد وتنقذ ما يمكن إنقاذه.

في الرحلة المخيفة نحو القاع المظلم تتغير الاهتمامات والأولويات والأفكار طبعا، وكذلك بعض المعتقدات التي يصير اقتلاعها من الجذور هو السبيل الوحيد للنجاة. ففي بداية الإقلاع تَعُدُّ بطريقة لا إرادية عدد الأصدقاء الذين تخلَّفوا عن موعدهم مع الصداقة لتبكيَ وحدك وحدتك، ثم بعد وقت وجيز تدرك أن العالم الخارجي لايهمه حزنك ولا يكترث كثيرا لسعادتك، وأن كل من يحبك يحبك لنشاطك، وابتساماتك، وحس الدعابة عندك ولذلك البريق الذي يعكس الأمل في عينيك، وبمجرد ما تذبل ابتسامتك وتصبح شاحبةً نظراتُك سينسحبون بمنتهى اللباقة فلا أحد صار يتحمل أن يأتيه الحزن والنكد من طرف آخر، فكل شخص يبحث عن الفرح حتى وإن لم يكن هو مصدرا للفرح، فهو في غنى عن طاقات سلبية سيكون مجبرا على استقبالها معظمَ الوقت، بل سيكون من واجبه بذل بعضَ المجهود ليُشعل شمعة أمل ويرسم ابتسامة على وجه شاحب صار الموتُ يقتات منه، وهذا ليس بالأمر الهيِّن لذلك فمن العادي جدا أن يرفض من حولك القيام بهذا المجهود الجبار، ورفضُهم ليس فيه ظلم ولا خيانة، وتَقَبّلُ هذه الفكرة هو خطوة مهمة جدا في الرحلة نحو القاع قد يكون من شأنها تغيير منحى السير.

عندما تدرك بعقلك وقلبك أن من حق الآخر تركك تسير لوحدك في رحلتك لتغوص في الأعماق المظلمة لا يحفظك فيها من الغرق إلا رحمة الله، حينها فقط ستعرف كيف السبيل للنجاة، فأنت لست وحيدا على كل حال وتَحْملُ معك العدة اللازمة لتُغيثَ نفسَك بنفسِك دون أن تشعر. لأن أهم شخص يجب أن يصطحبك في رحلتك هي نفسُك بجانب قلب يؤمن أن رحمة الله واسعة ستشمله لا محالة.

حينما تكف عن انتظار الإغاثة ممن حولك وتبحث عنها في داخلك فتنشغل بنفسك عن كل ما حولك، وتغرق هذه المرة ليس في بحار الحزن ومحيطات اليأس، بل تغوص في أعماق نفسك لتُراجع كل فكرة تؤمن بها وتُقلِّبها يُمنة ويُسرة للتأكد من صحتها والتخلي عنها إن ثبتَ العكس، ثم تركض نحو قلبك الذي يسيل جرحُه لتكون أنت حينها الجريح والجراح، فتفتح جرحك بيديك المرتعشتين لتبحث فيه عن مصدر الأذى وعن تلك المشاعر المقموعة والقابعة فيه منذ آلاف السنوات، وتفندها واحدة واحدة حتى يتسنى لك تنظيفه ثم تخيطه بأصابعك التي ما عادت ترتعش.

من المهم أن تحفظ نفسك من كل ما قد يأتيها من الخارج في مرحلة إعادة بناء الأفكار، وتنظيف نفسك من حُطام أفكارك ومشاعرك وذكرياتك السابقة، لذلك عليك أن تحرص على بناء جدار عازل يحمي نفسك التي لم تُشفَ بعد من هول الصدمات الخارجية لتغدو قادرا على مقابلة الأشخاص بابتسامة وقوة، وتكمل بعد ذلك رحلة البحث لوحدك دون أن يدرك من حولك حجم الأعاصير والبراكين التي تنفث نارا تحرق كل الضعف في داخلك.

إن الإعصار الذي أصابك قَلَبَ موازينك رأسا على عقب وعملية إعادة التأهيل مكلفة جدا من حيث الوقت والجهد، ذاك المجهود الجبار سيأتي من داخلك وسيمنحك الله القوة لمضاعفته بل ستحفز نفسك بنفسك ولن تنتظر كلمة طيبة من أحد لِيُلهب بها حماسك، فأنت أصبحت قويا بإيمانك وبنفسك، ورحلتُك ما عادت للإلقاء بك نحو الهاوية بل صارت من أجل انتشال نفسك من الهاوية. وبعد أن كنت تبكي حظك العاثر وتلوم من ظلمك ومن تركك ستشكر قدرك اللطيف الذي ألقى بك من القمة، وهمس في أذنيك أن ابحث عن نفسك فهي من ستعلمك كيف تطير. من المؤكد أنك عانيت كثيرا وبكيت دموعا كثيرة في ليالٍٍ طوال، ولكنك تستحق أن تهنئ نفسك وتركض سعيدا في الشوارع و تصرخ: “يوريكا…يوريكا…” و ذلك بعد أن وجدت نفسك وعلمتك هي كيف تحلق عاليا، وأدركت أنه ما كان ليُنقذك غيرها، وأنه كان لابد أن يتنحى الجميع ليتركوا لك المجال لاكتشاف نفسك والتنقيب عن كل آيات الله التي أودعها فيك…ستدرك أن الرؤية أصبحت واضحة عندما سرت وحيدا في طريقك بعد أن انقشع الضباب والتشويش الذين يثيرهما ضجيج الآخرين حولك…لقد تصالحت مع نفسك وأصبحت تسمعها وتفهم حاجاتها أكثر من ذي قبل، وما كان لهذا أن يكون لولا الانزلاق نحو القاع السحيق.

كن على يقين، ستغدو مشرقا حينها حتى وإن لم يكن حولك ما يبعث على ذلك. ستضيء كل شموع الأمل في قلبك الصافي حتى وإن اكفهرت السماء وأتتك الحياة بأعاصير هوجاء، ستقف حينها صامدا بل سترقص فرحا تحت المطر لأنك موقن بأن الله منحك من القوة ما يكفي لتخطي كل الصعوبات، وأنه سيأتيك لا محالة بربيع تزهر فيه أحلامك وتشذو فيه طيور الحب فوق أغصان قلبك.