وتلك الأيام…

2٬152

لطالما كان الحب والموت من أهم المواضيع التي أثارت انتباه الفلاسفة والشعراء والأدباء؛ فألفوا فيهما المؤلفات وأنشدوا القصائد، معللين ومفسرين لهذين الأمرين العظيمين في حياة الإنسان. وإذا كان الحب شعورا داخليا، لا يستشعره إلا صاحبه، فإن الموت يترك آثاره في المقربين الذين يشاهدون أحبابهم يغادرون ولا يعودون، فيبدأ المرء التفكيرَ جديا في هذا الموضوع، ويشرع في التأمل والكتابة حوله.

والتوثيق لموت الأقرباء، وتذكُّر آثارهم الطيبة، وخصالهم الحميدة سنة جارية عبر العصور، وعبر كل الثقافات.

رافقت ابن عمي إلى عاصمة الأنوار والحب والموضة والفن، مدينة باريس؛ لكي تجرى له عملية زرع كبد على وجه السرعة، بعدما فشلت كل المحاولات لإنقاذه هنا في المغرب الذي لا تجرى فيه عملية زرع الكبد إلى اليوم؛ رتبته العالية في الجيش ومنصبه السامي جعل الملأ يتحركون بسرعة ليُنقل إلى باريس؛ مهد الطب وعاصمة العلم، والـمَحَجّ الذي يحج إليه ملوك العرب، ورؤساؤها، ووزراؤها، وضباطها وأغنياؤها من المحيط إلى الخليج، بقصد التداوي في مشتشفياتها الفخمة، في الوقت الذي يغرق فيه البؤساء من شعوبهم في وحَل البؤس العلمي والعشوائية المهنية والقتل غير المتعمد والإهمال غير المشروع.
‎هو الآن على قيد الحياة، بفضل الله تعالى، ثم بفضل ما وصل إليه العلم في هذا البلد. فالمستشفيات المجهزة بأحدث المعدات الطبية هنا مليئة بالمرضى المغاربة الذين يدفعون الملايين من الأموال لكي يبقوا على قيد الحياة؛ والمتاجر والمطاعم هنا مليئة بالسياح المغاربة، أيضا، والذين ينفقون أموالا باهظة، فقط لكي يوهموا أنفسهم بأنهم على قيد الحياة.

‎باريس لا تتخير بين زبنائها، ولا تُفضل بعضهم على بعض، فهي تستقطب، أيضا، العملاء بعد أن تكون مدة صلاحيتهم قد انتهت في بلدانهم التي نهبوا من ثوراتها وميزانياتها ما يُـمكّنهم من شراء بعض الشقق الفاخرة هناك في شارع “الشانزليزيه” المطلة على قوس النصر؛ أملا في أن يقضوا فيها آخر سنوات عمرهم المليئة بؤسا ووحدة، وأرواحهم منهزمة، وضمائرهم لهم مؤنِّبة، إذا تبقّى لهم أثارة من ضمير، أو بقيّة من الفطرة لم يَطَلها المسخ الذي أتى على أرواحهم فجعلها خرابا؛ هذا التأنيب الذي من شأنه أن يذكرهم بما صنعته أيديهم ببلدانهم التي أصبحت تضيق ذرعا بكل فئات شعوبها؛ فلا المعلم مصونةٌ حرمته، ولا الطبيب محفوظةٌ كرامتُه، ولا التلميذ قويمةٌ مناهج تعليمه. ومن أسفٍ، أصبحت الهجرة، بسبب ذلك، مشروعَ العمر لكل هؤلاء.

إن مدينة باريس، كغيرها من كبريات العواصم الأوروبية، ذكية في استقطاب الفئات الذين يُسهمون في الرفع من موارد الخزينة، ولا يكلفونها شيئا، فهي تستقطب الأساتذة والأطباء الذين لم تخسر شيئا في سبيل تكوينهم، لتستفيد من خدماتهم، ومن أموال ضرائبهم، ومن أعمار أبنائهم الذين تجنسهم فيما بعدُ؛ وتستقطب المرضى والطلبة الذين يدفعون تكاليف العلاج ورسوم التسجيل الباهظة في الجامعات، ليتم استغلالها في تطوير المستشفيات والجامعات ومعاهد البحوث، كما أنها بحاجة إلى دماء جديدة تغَطّي على شيخوختها، وتُبقيها على قيد الحياة.

‎لم تمر إلا أسابيع قليلة على عودتي من باريس رفقة ابن عمي حتى صُعقت بخبر وفاة عمي عبد السلام بعد وعكة صحية ألزمته الفراش. قبل وفاته بأيام، كنت التقيته في حفل زفاف أخي بتطوان، وبدا وكأنه شاب في مقتبل العمر وعنفوان الشباب، يفكر في الإنجاب والتجوال، والحال أنه في الثانية والسبعين من عمره. كان رجلا مرحا، محبا للمزاح والطرفة، سليم المزاج والفطرة، متأنق المظهر والهيئة. بلور لنفسه فلسفة خاصة في العيش، تقوم قاعدتها الأساس على عدم الاهتمام بما يقوله الآخرون، والعيش، عوضا عن ذلك، وفقا للنمط الذي يختاره هو لنفسه. هذه الفلسفة أدت به إلى اختيار العيش في حي شعبي بتطوان، رغم أنه كان يتوفر على جنسية نرويجية، وذلك أنه كان يعتقد أن الحياة هناك تفتقد للحياة. طوقُه للحياة النشيطة جعلته يميل إلى قضاء أغلب وقته مع أصدقائه في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر؛ لأن أقرانه الذين هم في مثل سنه كانوا يفتقدون إلى الحركية والنشاط الذَينِ كان ينشدهما. ولكن الأشياء محكوم عليها بالزوال، وللحياة نهاية لا بد وأنها آتية، وإن نسيناها أو تناسيناها.

لا يقل الموت بكرامة أهمية من العيش بكرامة؛ فحينما يرى المرء أن أجله قد حان، وأنه قد أصبح لا محالة راحلا من الدنيا مقبلا على الآخرة، لا يكون مقصوده الأخير إلا خاتمة حسنى، ونهاية مريحة، بما يقتضيه ذلك من رعاية وعناية طبية، يقع واجب توفيرها على عاتق الدولة التي عاش المواطن فوق ترابها، وتنفس هواءها، ودفع من أمواله الضرائب لخزائنها، ثم أسهم في ضمان استمراريتها بأبناء من صلبه، يحملون اسمه وجنسية بلده.
‎كان عمي مغربي القلب والوجدان، ونرويجي الجنسية؛ فحبه المفرط للحياة جعله يفكر في كل تفاصيل الحياة، من البداية إلى النهاية، ما دفعه لأن يتجنس بجنسية أول دولة في التنمية البشرية، ليضمن تلك الرعاية المنشودة التي تتوق لها نفوس كل البشر، وكذلك كان؛ فبمجرد أن نزلت به النازلة بمدينة “تطوان”، نقل على وجه السرعة إلى أقرب مدينة أوروبية، وما هذه المدينة الأوروبية سوى “سبتة” المحتلة الواقعة فوق التراب المغربي، وقد كانت تنتظره عند مدخلها مروحية لتنقله من العالم الثالث إلى العالم الأول، والذي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة. انتقل عمي إلى العالم الآخر، ورغم أنه كان إطارا تقنيا بسيطا، فإن المملكة النرويجية قد استنفذت كل الجهود لتبقيه على قيد الحياة، مجسدةً بذلك نموذجا لخلق الوفاء بالعهود، والإيمان بحق الإنسان في العيش الكريم. والدولة التي تستثمر في تعليم أبنائها وحماية حقوق مواطنيها إذا عاهدت وفَت وأوفت ووفّت، خلافا لدولنا المتخلفة التي تكثر فيها الوعود، ويقل فيها الوفاء، وتلك آية من آيات النفاق.

بعد ذلك، توفي جدي الأخير، أب أمين، واسمه عبد السلام مثل عمي، كان رجلا هرِما عمّر تسعين سنة كاملة. رفض الالتحاق بابنته و ابنه في فرنسا، كما رفض العيش مع ابنته البكر في الرباط أو الأخريات في طنجة. وعوضا عن ذلك، فضل العيش على ما يغرسه وتنتجه له ضيعته في جبال الريف بمنطقة بني بوفراح، إقليم الحسيمة. عشتُ معه لحظات جميلة، ركبنا على الحمار معا، وولجنا البئر، واصطدنا الطير وأسقينا الزرع سويا، وقطفت معه التين واللوز، كما ساعدته مرارا على التخلص من شجر “الكيف” الذي ينبت تلقائيا في المنطقة. كان يستيقظ باكرا وينام باكرا، لا تفوته صلاة ولا يبدأ فلاحته حتى يقرأ ورده من القرآن. كانت شيمته العفاف وكان لا يرجو من العيش إلا الكفاف. عاش ومات مسكينا.

‎وفي أغرب حادثة عشتها في حياتي، وهو أمر يهتز له الوجدان، ولا يكاد يصدقه عقل إنسان: انتقلت جدتي كذلك إلى الرفيق الأعلى بعد ساعتين من دفن زوجها، وهي لا تعلم بموته؛ فمرضها “الآلزيمر” المتقدم لا يسمح لها بإدراك ما يجري من حولها.
ثم توفيت بعدها أختها، وهي آخر شخص في العائلة ينتمي إلى جيل الثلاثينيات من القرن الماضي، وهي خالة الوالدة بمثابة الجدة تماما؛ لم تُخلّف أبناء، وزوجها مات قبلها بسنوات. لم يكن لها جواز سفر أجنبي ولا مكانة اجتماعية مرموقة، وكانت ذات شخصية متقلبة على الدوام. قد تكون تعاني من “اضطراب المزاج ثنائي القطب” دون علم مَن هم حولها، ودون علمها هي كذلك؛ فالإنسان البسيط غالبا لا يكون على دراية بكل الفتوحات التي حققها علم النفس في فهم بعض من ألغاز الإنسان النفسية. والكثير من المشاكل النفسية التي تعقد وتعكر صفو حياة المصابين بها وحياة من هم حولهم ممكنة العلاج، ولو عرضت على الطبيب المختص لارتاح صاحبها وأراح.
كانت هذه المرأة، الفريدة من نوعها تعيش بين بنات أختها، لكي تقاوم الوحدة القاتلة، ثم ترجع إلى بيتها، فتمكث فيه لشهور، مخافةَ أن تكون عبئا على أحد. كانت حادة الطباع، قوية الشخصية، تمر بها فترات طويلة من الفرح والمرح والضحك والكلام، ثم تدخل في فترات من الصمت والتسبيح والتفكير الطويل. تعلمت منها الكثير من الأمثال المغربية والأقوال الشعبية والنكت القديمة وحكم الحياة وقصص المغرب القديم، بل كنت أتحدث معها في أمور أستحيي أن أتحدث فيها مع إنسان في مثل سني، وأحيانا أطلب منها بعض النصائح والاستشارات، أحب لهجتها الشمالية المليئة بالكلمات الغابرة والرموز المشفرة. وكنت أقضي بعض عطل الطفولة في دكانها الصغير في أحد الأحياء الشعبية بتطوان، أبيع للزبناء ما تشتريه هي من سوق الجملة مقابل مرتب آخر كل يوم. فكانت بذلك أولَ من علمني التعامل بالمال وأطلعني على أسرار التجارة، على بساطة ما كانت تبيع في دكانها القديم. كنت دائم القلق من أن تقضي نحبها وهي لوحدها في بيتها، لكن إرادة الله شاءت أن تسلم روحها إلى باريها وهي في بيت الوالدة بين عائلتها، بعد صراع طويل مع أمراض الشيخوخة المتعددة.

ذاك هو الموت يحصد أرواح الأهل والأحباب، وتلك سنة الله الجارية في خلقه، وقد أحسن الشاعر حين قال:
‎ومَا النّاسُ إلاّ كالدّيارِ وأهْلـهـا *** بِها يَوْمَ حَلُّوها وغَدْواً بَلاقِعُ
ومَا المالُ والأهْلُونَ إلاَّ وَديعَةٌ *** وَلابُدَّ يَوْمـاً أنْ تُـرَدَّ الوَدائِعُ

عادة لا أريد أن أتحدث عن الموت كثيرا في مقالاتي ولا عن موت أقربائي…لا أحد يريد الحديث عن الموت أو حتى التفكير فيه…فإن كان الأمر متروكا للناس، فإن معظهم سيريدون البقاء شبابا إلى الأبد!
‎خوفنا من الموت يمنعنا من احتضانه كجزء طبيعي من الحياة نفسها، فبعد كل شيء، نحن نتعرض لأشكال مختلفة من الموت في حياتنا اليومية: عندما ينتهي اليوم مثلا أو عندما ننفصل عن شخص ما، أو عندما نستقيل من وظيفة…الحياة تقدم لنا باستمرار جميع أنواع النهايات…وبقبول هذه النهايات كجزء طبيعة الحياة المتغيرة والمتقلبة باستمرار، يمكننا أن نقبل أنه لا يوجد شيء دائم…حتى وجودنا ليس دائما…بهذه الطريقة، لا يصبح الموت شيئًا نخافه.

أسال الله الرحمة والمغفرة لموتى المسلمين، وأن يشفي ويعافي مرضاهم أجمعين، يا رب العالمين.