حلم العودة العبثي

266
كنت كلما نال مني التعب أو أخذتني لحظة شرود عابرة إلا ووجدتني أحلم أن يرجع بي الزمن لأيام الطفولة مع كل ما أعرفه ومررت به الآن، فأتخيلني وأنا أتفادى أخطاء الماضي التي وقعت فيها وأصنع أمجاده التي أخفقت في تحقيقها، أتخيلني وأنا أسبق جيلي في تفكيره وأتجاوزه في طموحاته، رجلا في جسد طفل وعقل شاب يعرف ما ينتظره وكيف ينتظره.

وكنت كلما وجدتني غارقا في أحلامي هاته إلا وتسللت ابتسامة من خيالي لواقعي فأجد فيها شيئا من المواساة لحالي الذي كنت أرفضه وأهرب منه…
 
غير أنه مع مرور الوقت، أصبحت أدرك أنها فكرة غاية في العبث وحلم غارق في الغباء. فحتى لو امتدت يد القدر لتحقق أمنيتي هاته وتعبر بي الزمن عائدة للسنوات التي مضت فتعيدني للطفل الذي كنت عليه، فلا ضامن لاستمرارها لأننا نختار بداية أحلامنا لا ديمومتها، ونتحكم في لحظة انطلاقها لا في تلك المنعرجات اللانهائية التي تصنعها والمتغيرات التي توجهها…
لا ضامن أن تتحول حياتي لجحيم بسبب مرض أو حادث أو ظروف قاهرة، ولا ضامن أن الحياة ستضعني في مثل البيئة التي ستنفعني فيها تجاربي هاته، فقد سبق أن رسبت في دراستي وكررت نفس دروس السنة في نفس المدرسة ونفس الظروف دون أن تفيدني تجربتي السابقة في شيء، وسبق أن كررت الكثير من الأخطاء مرة ومرتين رغم علمي بكل تفاصيل المرة السابقة.

 

 
وشيئا فشيئا، أصبحت أقلص مدة عودتي في الزمن، لأني أصبحت أكثر اقتناعا أن العودة البعيدة في الزمن ستجعلني أسلك طريقا غير تلك الطريق التي خبرت معالمها وجربت منعطفاتها. أصبحت أحلامي مبنية على عودة لشهور حتى أغير أخطائي القريبة، وأحيانا لأيام حتى أتراجع عن قرار غبي اتخذته…
فالعودة الصغيرة، لن تصنع مني شخصا آخر لا أعرفه، وإنما سترمم شيئا مني، من هذا الإنسان الذي أرغب أن أصيره مع الزمن، هكذا كنت أفكر حينها وأنا أغرق في لحظات الشرود هاته…
 
لكني وأنا أتأمل كل المنعطفات التي صنعتني وغيرت مجريات الأحداث في حياتي، بدأت أعي أن العقل البشري أعجز من أن يفهم حجم التعقيد الذي يصنع تفاصيل حياتنا، أعجز من أن نفرق بين ما هو خير أو شر لنا، بين خير يحمل دمارا في باطنه وبين دمار يحضرنا لخير قادم.
أصبحت أعي أننا لا نتقدم في الحياة بنفس السرعات ولا ننضج بنفس الدرجات. قد يتجاوزك الكثير في مرحلة من حياتك لتجد نفسك تلحق بهم وتتجاوزهم بعد ذلك، وقد تلمح بعضهم يتراجعون دون مكابح، وآخرين تنتهي رحلتهم فجأة…قد ترى من يتأخر ليصادف في الوقت المناسب خيرا في انتظاره وقد ترى أيضا من يكمل مزهوا بسرعته فيتجاوز فرصته الذهبية.
اليوم توقفت عن كل تلك التخيلات والأحلام العبثية، لأنها لن تغير أي شيء، واليوم صرت أكثر تقبلا لما أنا عليه ولما سأكون عليه، صرت أكثر اقتناعا أنه لا وجود لوضع أحسن أو وضع أسوأ وإنما هناك وضع أنا عليه وكفى.
ولو كان لي بعد كل هذا أن أختار، لاخترتني مجددا وبدون تردد…