الحياة ليست أفواها تطلق الضحكات

429

الحياة ليست أفواها تطلق الضحكات وليست عيونا تذرف الدموع، إنما تتغير من ضحكة لدمعة، ومن حلم إلى صحوة ألم، والشجاع منا من يستطيع أن يضحك والدموع ملء أحداقه، فما أصعب أن تحتار بين العقل والقلب. أتغلب مشاعرك وتميل لقلبك، أم تختار الحكمة وتنحني لعقلك؟

إحساس رهيب يتغلغل داخل جو مليء بالحيرة ومحاط بجدران الغرابة، ما العمل إذن؟ نعم، إنه الحال عندما يموت قلبك وتدمي عيناك وسط عالم يملأه السواد والظلمات، عالم يسود فيه تأنيب الضمير ثم عالم لا يستحق اسم عالم بل اسم آهة. آه على تيهان تيه الفؤاد، آه على فؤاد تاه بين أحاسيسه، آه على أحاسيس تائهة بحد ذاتها. أين المفر يا أنا؟ أي مسلك ستختارين؟ أتنحنين لقدرك وتتركي له مجال خط خطواتك، أم تثابري جاهدة لقص قصتك – التي في آخر المطاف – تنتهي بنفس نتيجة الأولى.

أبإمكانك تخيل بحر فائض بطوله وعرضه؟ أبإمكانك قياس علو السماء، لن أقول لا يمكنك لكن سأجيب ببساطة بأنك لن تتقن التخيل، لذا فالشأن نفسه تجاه هذه الحالة، لن تستطيع تخيلها إلا إذا عشتها. هل كذب من قال: إن الحياة جميلة وتستحق العيش؟ وصح من قال: إنها بين وبين؟ أو كذب من قال: إن الحياة صعبة؟وصدق من قال: إنها سلسة للتأقلم؟ أسئلة عدة تطارد عقلي الضعيف حاليا إذ زادته حيرة وشرودا. أمازالت دروسها آتية؟ ألم تقنع بعد؟

نفذ صبري وأنا محتارة، برقت عيناي وهي تفكر، سهوت وأنا أرتب أفكاري ثم انكسرت أناملي وهي تنقر الخشب. ما فائدتك يا جوهري وأنت مكبل؟ أأنتظرك إلى حين تنفسك نسيم حريتك وأنا متمة للاصطياد في الماء العكر أو أركض وراء الزمن وروحي تائهة؟… حن قلبي لروح كانت ترقص بداخلي وتتمتع بطفولتها، حن عقلي لأفكار كانت تسير خطواتي ثم حنت أناملي للمس جفون جافة وملساء. أقبل يا مطر واسقني بخيراتك فقد جف باطني وذبلت روحي وهي تنتظر.


ما قيمة انتظاري إذا طال سهري؟ وما قيمة إطلالتك إن لم تمحي بصماتك الجارحة؟ ثم ما قيمة ذهولي بين اختيارين محيرين؟ دقيقة تلو دقيقة…ساعة تلو ساعة.. يوم تلو يوم…تمر الدقائق وتطير…تمر الساعات وتفر…تمر الأيام وتدور غير أنني لم أزحزح من مكاني، شلل عاطفي يعم عواطفي، ينمل جسدي ويسكر عقلي. أأترك ما سهرت على بنائه وما طالما حلمت بعيشه في لحظات كهته…لكن كيف ذلك؟ كيف لك إقناع مدخن عن إقلاعه في وهلة.

قضيت أياما وسهرت ليال لأجد نفسي في جلسة مصارحة لذاتي ختم مفادها بكوني ممنونة لمثل هذه اللحظات؛ إذ من خلالها أسبح نحو حياة بزوايا جديدة وأبواب لم أكن أعرف لها مفتاحا قط، إلا أنه أحيانا تجد نفسك ساكنا في مكانك، وهنا عليك أن تكون ماهرا وشجاعا لكي تجذف وحدك نحو مستقبلك الآتي تاركا وراءك ما كان يمثل في يوم مضى فرحك، ولكن لا تحزن ففي كلتا الحالتين تطل وأنت غني بالكنوز الثمينة والدروس القيمة، وتتخلص من اختناق كنت سجينه، نعم لقد كنت سجينا، سجينا لحقيقة كنت تتجاهلها تحت ذرائع أو كنت أعمى عن كشفها؛ لأن صاحبها غال، بيد أنه في الواقع مختبئ وراء كذبات أو وراء صورة مزيفة رسمتها أنت بيدك له وجعلت من رخيص غال.

حلقي يا روحي بعيدا واتركي الأشياء تمضي كما تشاء واستمتعي بحاضرك، والأهم تعلمي من ماضيك ولا تكترثي بما هو آت، فهو مكتوب عند العالي، وأعيد وأكرر تنفسي ما دامت القصة لم تغلق بعد. ما أجمل ابتسامة بعد صفعات استيقاظ، وما أجمل نور عين بعد أنهار دموع، وما أجمل أن توكل أمرك لخالقك حيث إنه أدرى، وتعطي لما هو أهم قيمة، فمقابل كل ما هو مهم ما هو أهم فلتكن حكيما.