بضغطة زر

231

في عالم أقل ما يمكن أن نصفه به أنه فاق حدود التطور على كافة الأصعدة؛ بضغطة زر بل بنبرة صوت أو إشارة بالكاد نلحظها تُفتح لنا أبواب عملاقة متقنة لفن الإغراء. فما إن تجذبك وفرة المعلومات وتقرر الغوص في غمارها حتى يتم الإيقاع بك في الشبكة، فتوصد الأبواب وتصبح في عداد الأسرى. ولكي تنعم بالحرية من جديد لا بد أن يدفع أحدهم فدية مقابل سراحك لكن بشكل تدريجي، فهي في بداية الأمر نصيحة أو لربما كلام بين السطور، ثم صرخة ثم صفعة إن لزم الأمر، كل يعتمد على مدة الحكم ومدى رغبتك في رؤية السماء من جديد.

 

لطالما دافعنا باستماتة عن الحرية؛ حيث يقول عمر الفاروق -رضي الله عنه- مقولته الغنية عن التعريف: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” وجبران خليل جبران حين قال: “الحياة بغير الحرية كجسم بغير روح، والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة. الحياة والحرية والفكر ثلاثة أقانيم في ذات واحدة أزلية لا تزول ولا تضمحل.” لقد طالبنا بالحرية الفعلية وإنهاء عهد الاستعباد، والاستعمار والأسر على مدار قرون وقرون، ولو رجعنا إلى كتب التاريخ لوجدناها تفيض بقصص دفاع عن الحقوق والحرية بشكل خاص. فإن كنا نعرف الحرية على أنها استنشاق نسيم الهواء والتحرر من الأغلال والجدران الأربعة ذات الثقب الوحيد – الذي بالكاد يسمح بمرور خييط ذهبي – فإننا بذلك نكون فعلا أحرارا، لكن الواقع شيئ آخر، فنحن مع ذلك لا زلنا مسجونين وأسرى في مملكة العنكبوت الأم.

من هنا أود أن أقدم رسالة لدوستويفسكي بعد قوله: “ماذا لو كان العنكبوت الذي قتلته في غرفتك كان يظن طوال حياته أنك رفيقه في السكن”، ذاك الزمان قد ولى، أما الآن فهو لم ولن يظن أبدا أنك رفيقه في السكن، فهو من العائلة الحاكمة، أما نحن فلسنا سوى آدميين أسرى غير قادرين على فك الأغلال الإلكترونية حتى.

لا يختلف اثنان أننا حققنا غنى ملحوظا في مدة وجيزة، لكن هذا الغنى يقابله ظهور أنواع جديدة من الفقر.
الأول: فقر يتعلق بعدم قدرتنا على الارتباط بالشبكة الإلكترونية، فتمر الثانية كأنها ساعات.
والثاني: يتعلق بفقداننا لحس التواصل السوسيولوجي.
ستقولون لي: إن هناك شبكات ومنصات خصصت لهذا الغرض على سبيل المثال لا الحصر: فايسبوك، تويتر…سأقول لكم: ‘نني أفضل أن يطلق عليها شبكات التواصل الإلكتروني؛ لأننا في نهاية الأمر نتعامل مع آلة تجعل من أحاديثنا مجرد كلمات جافة لا تحقق المنشود وهو التواصل الفعلي، فلا عجب أن تتعامل مع مئات بل وآلاف البشر، وتجد نفسك غير قادر على معرفة شخص واحد فقط منهم، لدرجة أننا أصبحنا لا نجيد التعامل فيما بيننا في الواقع.
ولعل المضحك في الأمر والذي يدعو إلى القلق بشأنه هو أننا أصبحنا نجد صعوبة في الرد على بعض العبارات المتداولة كثيرا، والتي من المفترض أن نكتسبها جراء تواصلنا اليومي مع الناس، فمثلا كأن يهنئني شخص ما ويقول: “مبارك!” فالرد الأمثل سيكون حينئذ بقول: “بارك الله فيك” أو مثلا عندما يقدم أحدهم لك تعازيه فيقول :”بارك الله في عمرك” من لباقة الحديث أن تجيبه مثلا بقولك: “لا أراك الله بأسا” لكن بسبب الفقر التواصلي الذي أعاني منه شأني شأن الكثير من الشباب، تجدني في بعض الأحيان أخلط بينها جميعا. فأرد مثلا على من قال: “بارك الله في عمرك” بقولي: “بارك الله فيك” أو غيرها من الردود المحرجة والتي تعلن إنذارا تواصليا بحق.

إن العالم يتقدم بخطى واثقة وسريعة، هذا أمر مفروغ منه، لكنه أيضا يتراجع بخطوات هي الأشد ضررا؛ لأنها تمس بالإنسان ككيان ذي شخصية تواصلية اجتماعية.
وخلاصة الأمر، لا يمكن أن ننكر فضل العنكبوت الأم علينا، لكنها في نهاية المطاف ستظل كائنا ساما.