صدح بعد صدع

427

لِقاء بعد بُعاد

كنت قد غبت عن زيارة البيت لسنوات، وتملكني إليه شوق شديد، وإحساس بالجفاء والإبطاء في المعاودة والصلة. ولما وصلنا مكة مع رفقة طيبة، وكنا قد قدمنا من جدة على متن سيارات متعددة، فوصلنا متفرقين، وتطوعت لانتظار أحد الإخوة الذي تأخرت السيارة التي تقله في الوصول إلى محيط الحرم، فزاد لهب الشوق طول الانتظار. فسارعنا الخطو معا لما وَصَلْ، نقْطَع ساحة الحرم صوب البيت العتيق، وأنا وَجِلٌ من اللقاء الأول بعد سنوات غياب.

وفي منتصف الطريق، بين أحد الأبواب والصحن، تهيبت اللقاء وغشيني ما يشبه الأحلام وأنا أقلب ناظري في أركان المسجد وسواريه، وخيل إلي أنها شخوص ترمقني مشدوهة فيما لا تكاد تميزه إن كان عتابا أم ترحابا، فتوقفت مسندا جنبي لسارية، وانتبه صاحبي لتأخري فعاد يستوضح ويطمئن، لم أقل شيئا بلغة الكلام، وإنما تبادلنا نظرات ثم عبرات ثم أفقنا، وأخذ بيدي الرفيق لنواصل الطريق ونحظى بوصال العتيق.

مشدودا مأخوذا من غير سلطان على خطوي، كنت أقلب ناظري في سواري المسجد وأركانه وأشتم من لاشيء عبقا تعرفه روحي. وفقدت للحظات الإحساس بالزمان، وتداخل عندي ماض غير معين بحاضر لم يتعين. غمرتني رغبة في البكاء ومزيج من الحنين والرهبة للِّقاء، كالضيم ينفجر فجأة بين شفتي طفل عند لقاء أم عائدة وقد كان تسلى عنها زمنا باللهو واللعب…توقفت لحظة، ولم تتوقف دمعة تسللت في غفلة يغريها انفلات سلطاني عني.. نظر إلي صاحبي وبه مثل الذي غشاني.. وسرى بيننا كلام بغير لغة الكلام ثم ضمني، ثم جرني إلى اتجاه السير الأوحد، وأنا له مطاوع لا أملك ردا لانجذاب كلما قربتُ تمكن وملك، غير آبه برهبة اللقاء التي دون جدوى تُعثر خطوي..
وتسمَّرت لحظة وقد رفع الحجاب دفعة واحدة، ووجدتني أنا العبد المذنب الآبق مرة واحدة أمام بيت سيدي! أذن لي أن أقف بباب بيته الذي وضعه للناس تقربا وأنا الذي طالما قابلت إحسانه بالإساءة تبعدا.. آمنت في الغيب بالملائكة حافين من حول العرش يسبحون، وأبصرت في الشهادة العباد الهاوين من كل فج حافين من حول البيت يسبحون ويستجيرون..
فليت شعري، بأي وجه أقابلك وكلٌّ مسود بالعصيان، وبأي لسان أخاطبك وكلٌّ طالما عاهد ثم خان:
ألا يا من بعزه العز عزَّ والدنا *** دانت له وبنوره استنارت الأكوان
ارحم عبيدا هاله جرم ومـوعد *** دنــا فـفر إلـيـك مـنـك ذا الإحسان

مقالات مرتبطة

صدح بعد صدع

تاقت نفسي يوما أن أفطر في ضيافة الكعبة، وأن أصلي التراويح في صحنها لايحول بيني وبينها جدر ولا ستر. فأخذت مكاني مبكرا في الصحن، وقضيت عجز النهار أرقب ظل الكعبة يتمدد وقرص الشمس من ورائها يتواضع وينحني ثم يتوارى، ووفد الزوار وهو يتدفق ويتجدد. وكلما قرب الأذان ضاقت دائرة الطائفين، وانتظمت واتسعت دوائر ضيوف سفرات الإفطار، وهم بين ذاكر وتال للقرآن ومشبع بوجه الكعبة الوجدان والأنظار. ثم كانت حنحنة، شخصت على إثرها الأبصار، ثم كان تكبير الأذان فسرت بعده موجة الترديد تطاردها فرحة الإفطار، وانشغلت الأفواه بالتمار عن الأذكار، وانحنت الرقاب على السُّفر، لكن خاطرا شغلني عن مشغل القوم، وسرح بي بين زمن الصدع والتخطف والأذى، وما يأسرني في الحال من الصدح والجهر والصدى.

كانت الشمس قد انحدرت خلف الجبال الغربية لمكة تؤذن بقرب الرحيل، وزاد المكان حول الكعبة طيبة وبهاء وانتظاما، وكانت دائرة الطائفين تضيق بزحف صفوف القاعدين…بين عاكف على ورده وناظر إلى بيت ربه، بين مسبح ومشتغل بتلاوين السفرة التي بدأت تتضح ملامحها أمامه، يُعِد إفطاره ويعيد ترتيب محتويات السفرة تلهيا وتلهفا للحظة الفرحة الصغرى الموعودة، فرحة الإفطار..
وفجأة حنحن المؤذن فتيقظت حواس المتربصين.. حنحنة أولى خفيفة لكنها في وقعها على النفوس بعد يوم طويل حار كالرعد يبشر بالغيث.. ولا أروع من صوت المؤذن أو القارئ حين يتردد في صحن الكعبة. حين يتردد النداء والآيات فكأنك تراها تطوف حول البيت مع الطائفين، ثم تعرج إلى العلياء في لولبية متسعة تُسمع أم القرى ثم تتعداها لمن حولها، ثم تجتاح مد السماوات وسمع الأملاء..

حين صدح المؤذن معلنا أن الله أكبر من كل ما يكبر في النفوس، من المال، والولد، والسلطان، والأبراج والجبال، تبعته همهمة ترديد كالموجة كالصدى، سرت في جنبات المسجد تعلن الذلة والصغار والتصاغر أمام الكبير الأكبر، وتتأسى في جواب النداء بجواب السماوات والأرض والجبال: أتينا طائعين!
ثم انحنت الرقاب على موائد الرحمن تُذهب الظمأ وتستعذب فرحة الإفطار وتغافلت عن بقية النداء.. لكن نداء صدح فله قلبي انصدع، ولم يقع يوما في غير هذا المجلس مني مثل هذا الموقع. وبإيقاع صاعد تصاعد قول المؤذن: “أشهد أن محمدا رسول الله”. رفعت رأسي، وخيل إلي أني فعلت لوحدي، وبدت لي رؤوس جبال مكة كالأشباح، زادتها الظلمة الزاحفة هيبة ورهبة، تتطاول لتطل على الصحن وتنحني رؤوسها في ذلة الإقرار وخشعة الإشهاد.. جبال مكة التي عرفت محمدا وحيدا طريدا مُتَخَطفا مكذبا محاصرا تردد في ذلة وحب وخشوع: “أشهد أن محمدا رسول الله”، وهي التي شهدت تطاول الكفر يوما بين وديانها، ثم شهدت زواله واندحاره، وهي التي اختنقت الشهادة في جوفها دهرا وهي ترى الأمين يُخَون والصادق يُكذب فلا تنطق ولا تُطبق، وما كانت لتنطق ولم يؤذن لها أن تنطق، ولو أذن لها لنطقت ولأطبقت غيرة وغيظا على المكَذِبين وانتصارا للمُكَذَبين..هاهي اليوم أسعد – وهي الشاهدة على كل فصول الرسالة – من أي مخلوق أن ترى الإشهاد برسالة محمد يتردد دون وجل ويموج دون خجل، يسري بين الشعاب والوهاد والوديان: “أشهد أن محمدا رسول الله”. ولو كان لها أن تنطق لقالت، وحق لها أن تقول: “يادنيا اسمعي، وصمت آذانك إن لم تسمعي: “محمد رسول الله”، وكل مهتد إنما بهديه يقتدي”.

هلك مناوؤوه، ولُعن محاربوه، وبُتر شانؤوه، وهاهم شهوده الذين لم يشاهدوه جاؤوا من كل فج عميق، ألوان وألسن وألبس اختلفت، ولكن قلوب اتحدت، جميعها تهتز وتطرب وتجِد كلما سمعت “محمد رسول الله”!