فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ

501

قبل انتقالنا إلى بيتنا الحالي، كنا قد أقمنا لفترة طويلة بمنزل آخر، كان أبي قد اكتراه مقابل مبلغ أجزم أنه لم يكن يعادل قيمته المعنوية أبدا. كل غرفة وزاوية منه، كل حائط وسقف، كل باب وكل نافذة، شكل الدرج وحتى لون الطلاء على الجدران، كلها تفاصيل لا زالت محفورة في الذاكرة، وفي كل جزء منها ذكرى خاصة عزيزة على قلبي أتمنى ألا تمحى يوما لأنها جزء مني، وكل جزء منها كان له الفضل في تشكيل ذلك الإنسان الذي هو أنا، ذلك البيت لم يكن بالنسبة لي عاديا أبدا.

من بين القطع العجيبة التي أسرت قلبي قبل أن تأسر دماغي وتتعبه في محاولات عديدة منه لفك شيفرتها المعقدة بالنسبة لي في ذلك الوقت، نظرا لسني الصغيرة وصعوبة تذكر ما نقش عليها، وفهمه حتى بعد استعانتي بأبي كي يشرحها لي ويعيد قراءتها وترديدها على مسامعي مرارا وتكرارا، لوحة معلقة على الحائط المؤدي إلى درج النزول لباب الخروج، لم تكن كباقي اللوحات التي نراها عادة تباع في محلات الأثاث وتجهيز المنازل، دائما ما أحسست أن بها شيئا مختلفا ومميزا، لقد كان اختيارا موفقا وضع تلك اللوحة بالذات بقلب المنزل، وقد بدى واضحا أن صانعها قد خطها بعناية واهتمام كبيرين، ويبدو أيضا بعد الاطلاع عليها مليا أن من قام بخطها اختار محتوى اللوحة ليس عبثا أو صدفة، بل اختير بحكمة ولسبب ما.

كنت أمر على تلك اللوحة صباح مساء، وأقسم أنني في كل مرة كنت أبقى مسمرة في مكاني أتأمل شكلها وتفاصيلها، لقد سطرت عليها الآية الكريمة: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}، كانت الحروف باللون الذهبي اللامع، تم لصقها فوق ثوب أسود غامق سمح لتلك الحروف المكتوبة بخط جميل وجذاب للأنظار بالبروز أكثر (حسب والدي اللون الذهبي لا يبرز رونقه إلا إذا اجتمع مع اللون الأسود، وهذا الأخير لا يمنحه قيمة جمالية سوى اللون الذهبي).

أذكر أنني عندما وصلت لسن القراءة، كنت أتهجأها وأحاول شكلها وفهم معناها؛ حيث خلصت بعد مدة إلى أن مضمونها وجب أن يفهم عمقه وليس حرفيا، لكن قبل ذلك سمحت لنفسي ببعض التساؤلات الطفولية والعفوية التي حاولت أن أجد لها إجابات مقنعة، فمرة كنت أقول؛ حتما أبي من كتب هذه العبارة وعلقها على الحائط فوق الدرج حتى نخرج وندخل إلى البيت مستقيمين كعمود الإنارة، بخطوات مستقيمة وغير ملتوية، لا بد أنه لا يريد منا أن نحيد عن الطريق المؤدي مباشرة إلى المدرسة وأن نرجع بعدها قاصدين المنزل دون لف هنا أو هناك، ثم تارة أقول: لا، لا أظن أنه هو؛ إذ كان بإمكانه أن يخبرنا بهذا وجها لوجه، لمَ سيعلقها وسط الدار ويترك كل من دخل منزلنا يرى ماذا يريد منا أبي أن نفعل أو لا نفعل؟ لا، لا أظن، إذن من؟ من أمر من؟ ولماذا يأمر؟ وما هي الاستقامة؟ وكيف؟ ومن هذا الذي علينا اتباع قوله؟ وأي سلطة تبيح له الأمر والنهي؟

في كل مرة كنا نزور بعضا من أقاربنا كنت ألمح في غرفة ما من غرف منازلهم لوحة أو اثنتان مشابهة تماما للواتي عندنا، فكنت أتسائل حينها، كيف هذا؟ أيعقل أن يكون هذا محض صدفة؟ لا يهم؟

مرت الأيام، وبينما كنت في طريقي إلى غرفة الجلوس مارة عبر البهو، لمحت في غرفة الضيوف قصاصات ذهبية مبعثرة، أقلاما ولصاقا كانت رائحته قد عمت أرجاء المنزل، وأدوات مختلفة وأعوادا خشبية وقطعا من أثواب ذات لون أسود، تفاجئت إذ كأنني اقتربت من كشف سر أرقني لفترة ليست بالهينة، وكأنني عرفت ما القصة، دخلت الغرفة فوجدت ورق جرائد صف على الأرض وفوقه لوحة اكتملت معالمها إلا من إطار مزخرف كان بدوره في طور التركيب، وعندما رفعت برأسي الصغيرة التي دائما ما كانت تعج بتساؤلات لها أول من دون آخر، رأيت أبي، إنه هو! صانع اللوحات العجيب الذي لطالما أثارتني لوحاته، لقد كان أمامي طوال الوقت، إنه ذلك الفنان الرائع الذي اتصف بالدقة والرقي في كل شيء، مخطوطاته وكتاباته، كلامه ولباسه، وحتى في عتابه.

الاستقامة يا سادة ضالة المسلم كما الحكمة، لا يمكنك أن تزعم بلوغها، لا يمكنك ادعاء الإحاطة بأركانها فهما وتطبيقا، دائما ما ستراودك التساؤلات والشكوك، هل حسنا صنعت؟ هل هكذا سيكون الإله راضيا؟ لا بد أن أصلح ذلك الجانب مني، هذه المرة لم أبالي كما المرة السابقة…، ستستمر بالتالي محاسبتك لنفسك ومحاولاتك المستمرة لتقويمها والرقي بها إلى مراتب الصالحين ما حييت، وهذا هو بيت القصيد، الاستقامة يا إخواني شيبت حبيبنا عليه أفضل الصلوات والتسليم واحتار في أمره بسببها؛ روى القرطبي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: (شيبتني هود). فقال: (نعم) فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: (لا ولكن قوله: فاستقم كما أمرت). وقال ابن عباس: ما نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم آية كانت أشق ولا أشد من قوله تعالى {فاستقم كما أمرت}

يقول العلماء: (إن الأمر بالاستقامة هو من أصعب المقامات، وهو كمقام الشكر؛ إذ هو صرف العبد في كل ذرة ونفس جميع ما أنعم اللّه به عليه من حواسه الظاهرة والباطنة إلى ما خلق لأجله من عبادة ربه بما يليق بكل جارحة من جوارحه على الوجه الأكمل، ولهذا لما قيل للمصطفى صلى اللّه عليه وسلم وقد أجهد نفسه بكثرة البكاء والخوف والضراعة: أتفعل هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً).

يجب أن نتخذ الاستقامة منهج حياة، وأن نورثها لأبنائنا توريثا، نرسخ فيهم مبادئها، ونمهد لهم الطريق نحو عوالمها العميقة، نربيهم ونعلمهم منذ نعومة أظافرهم أن يسلكوا سبلها وأن تكون هدفهم ومبتغاهم الأول والأخير، وأنها أمر من الله تعالى لا يسمح التساهل فيه تحت أي ظرف، باعتبارنا إخوان رسول الله كما وصفنا عليه الصلاة و السلام، إذا فلا يسعنا إلا أن نكون مقام هذا التشريف وهذا التقدير منه ما استطعنا.

أتذكر في صغري كيف كنت أنا ومن هم في مثل سني نتحرى إرضاء والدينا أو معلمينا أو أي شخص له سلطة علينا، وعندما كبرت تفاجئت إذ وجدت أن الأمر لم يتغير، ففطرة الإنسان هكذا، يحاول دائما أن يبدو بشكل لائق أمام الناس أكان في هيئته أو تصرفاته، تخيل معي توجيه مبتغاك هذا نحو رب العالمين، تحسن إلى الناس لوجهه وتتفانى في خدمتهم اتباعا لأمره، عندها تيقن أن أمرك كله قد صلح، وأنك مثلما بحثت عن الله في كل أمورك فسوف يجدك قبلك وينتشلك ويصير حسبك.
صحيح أن استقامتك في معاملاتك مع الناس أمر جيد بل ومطلوب، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) لكن حذار أن يكون سعيك هذا نفاقا وتملقا وأن يغدو شغلك الشاغل في دنياك إرضاؤهم من أجل مصالحك أو فقط لعلة في نفسك فاسأل الله العافية.

فأنصح نفسي وإياك أيها القارئ وأنت تسعى إلى الله سبحانه، حتى وإن لم تستطع الثبات، أكمل المسير، لا تتوقف، لا ترجع إلى الوراء، إياك أن تسمح لذلك النور الخافت المتبقي داخلك أن يكف عن التوهج، حافظ عليه وتمسك به واعمل على توسعة مجال إضاءته، ابدأ الآن، ليس غدا أو الأسبوع القادم أو السنة الموالية، جاهد نفسك واستعن به سبحانه وتعالى فهو خير معين، لا تستمع لمرضى النفوس الحقودين الغيورين من المثبطين للعزيمة أن يحشروا في رأسك أفكارهم المغلوطة سواء عمدا أو لجهل منهم، فمنهم من يسمح لنفسه أن يقيم أعمالك ويطلعك على المقبول منها من المردود ويخبرك أن مجهوداتك هزيلة وأنك لا تقوم بها بالشكل المطلوب، وأنه إذا لم تقم الليالي فأنت في ضلال، يقول العلماء في هذا الصدد: “ما لا يدرك كله لا يترك كله” وفي الحديث: ((إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ)).

أنا لست هنا لأدعوك إلى الكسل والخنوع، إن استطعت أن تكثر من العبادات والطاعات ولا تتركها اليوم الموالي فهو المقصود والمراد، وإلا فتسبيحة عند كل فجر أنفع لك، لا تهتم أيضا لأولئك الذين تشبعوا بآراء من يسمون بالدعاة إلى الله الذين طغى عليهم العنف والترهيب في أسلوب كلامهم حتا صار باديا على وجوههم العبوسة التي لا تبشر بالخير لهذه الأمة، الذين يحرمون كل شيء ويغفلون عن الجانب اللين الرحيم لهذا الدين فتتيه. يقول سبحانه وتعالى مخاطبا رسوله الكريم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

ببساطة أيها المسلم الحائر في أمره، كن صادقا مع نفسك ومع خالقك فهو أعلم بحالك وبنيتك السليمة، تنعم وتهنأ بحياتك، ويصفو ويطمئن قلبك، ويرتاح بالك، ثم تتوالى عليك النعم من حيث لا تحتسب، – صحبة صالحة تجرك نحو الصلاح، أو ولد بار، أو بركة في وقتك ومالك، أو أمورك ميسرة، رحمة من الله تغشاك وأهلك… – ويا هنيئا لمن حاز كل هاته النعم مجتمعة، والأهم، لا تستصعب الحياة، وانظر إليها بعين شيخ حكيم خط الزمان محياه منحنيات وتعرجات لو تكلمت لأخبرتك أن يا بني كن مع الله يكن معك ويسخر لك القاصي والداني من مخلوقاته لخدمتك، وأحسن به الظن يكرمك بأحسن مما ظننت به، جاء في الحديث القدسي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً.. ”

قد يكون أبي اختار تلك الآية وعلقها وسط المنزل لأنها ألهمته وتركت في نفسه شيئا، أو لأنه أرادها أن تكون دائما نصب عينه كي تذكره بأمر الله تعالى ومهمته الواحدة والوحيدة في هذه الدنيا، وأن تذكره أيضا أنك أيها الإنسان مهما علا قدرك وارتفع مقامك بين الناس فهنالك من هو أرفع مقاما وقدرا منك، ومهما بلغ علمك ففوقك العليم الذي لا تخفى عليه خافية، ومهما تضخم رصيدك المالي فأنت بين يدي مالك الملك، ومهما كنت كاسرا جبارا فأنت تحت رحمة القوي الذي لا يعجزه شيء، فلا يسمح لك يا عبد أن تفعل ما يحلو لك، فإن التزمت فهنيئا لك، وإن كنت تحاول فتارة تسقط وأخرى تقوم ثم تعيد السقوط والنهوض وتعترف بتقصيرك وترجو رحمة رب العالمين ومغفرته فاطمئن وأبشر، ذنوبك مغفورة ولو كانت جبالا شاهقة العلو، وإن جحدت النعمة وتجبرت وظننت أنك خالد ها هنا في النعيم الذي هو من وهبك إياه، وغرك الجاه والمال والجمال فانتظر عذابه وسخطه.

لكنه لم يعلم – أبي – أن تلك اللوحة قد شغفت ابنته الصغيرة حبا وعشقا، وأنها عندما بدأت تكبر وتدرك بدأت بالبحث عن المقصود من الآية التي كتبت عليها، أرادت أن تعلم عن الله الذي يأمر عباده ليس لأنه يحتاج منا ذلك بل لأجلنا، وأنها بالتالي أصبحت تحب هذا الإله العظيم، وكلما ازدادت خبرتها قليلا في الحياة ازداد حبها وإجلالها له، ذلك الرحيم الذي يدهشها في كل مرة بجميل تدبيره وهي التي كادت تظن في مرة من المرات العصيبة أنه تركها وحيدة تغرق في بؤسها، حتى خجلت منه ومن نفسها كيف تجرأت وتركت أفكارا سامة كهذه تجرفها وتتيه بها عن الوجهة المنشودة، فأصبح قلبها الذي بين يديه لا يخفق إلا له، وجوارحها لا تعمل إلا لوجهه، ولا تبتغي سوى مرضاته، ومع زلاتها وتقصيرها تجاهه فهي تطمع في رحمته، وفي أحلك المحن التي تمر عليها لا تلتجئ إلا إليه وكلها يقين باقتراب فرجه، وعند فزعها لا تفكر إلا به حافظا ومنقذا، وفي عز فرحها وسرورها لا ترجع الفضل إلا إليه، وإن أرادت أن تحسب ألف حساب لأحد فله وحده، وإن أحبت أن تشكره إذ أهداها أبا عظيما فلن تكفيها أقلام وأوراق وحروف الدنيا كلها.