وإن تعدوا نعم الله لا تحصوها

310

لا نحس بقيمة الأشياء حتى نفقدها، أو حتى تغدو من المستحيلات التي نرجو أن نرنوها، ندعو الله بكرة وعشية، نرى أننا بدونها ناقصين وأن حياتنا
على عتبة أن تحصل لنا ذات صباح جميل، نستيقظ فيه فنجدها تستقبلنا كأشعة الشمس الدافئة…ماذا لو كانت الأشياء التي يحلم بها بشر كثيرون على هذه الأرض بحوزتنا؟لا نكاد نلحظها للأسف، تصير بديهية من البديهيات وشيئا لا نفتقده البتة…


حسنا، جرب في لحظة تأمل أن تفقد ما تملكه، تلك الأشياء التي لم تُلق لها بالا، استيقظت على غير العادة ولم تجدها، باتت مفقودة. فقط هاهنا ستحس بقيمتها التي لم تراها قبل اليوم، فقط هاهنا ستستحضر النعم الكثيرة التي تملكها. وهكذا ستتربى في نفس كل واحد منا الكثير من طيب القيم كالقناعة والسعادة بما نملك والرضى عن النفس.

جرب أن ترى نفسك مريضا وأنت الذي وهبك الله القوة والفتوة وستعرف قيمة صحتك…انظر في عيني مريض وابحث عن نفسك فيهما، فما أصابه ما  كان ليخطئك لوال مشيئة الله، وقد يصيبك أنت أيضا في أي وقت وحين، وفي هذه اللحظة ستستشعر حقا معنى المثل القائل: إن الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه سوى المرضى.
جرب أن تكون فقيرا وأنت الذي يسر الله لك سبل الحياة والعيش بفضل ومنة منه، وسترى بأن من لا مأوى له ولا غطاء يدفئه قريب منك، كدت أن تكون مكانه لولا أن الله اختارك ليستخلفك ويمتحنك في أمواله.
جرب أيضا أن تستيقظ وتجد عائلتك وأصدقاءك وكل أحبتك غير موجودين وأنك وحيد في هذا الكون الفسيح أو مع أشخاص لا تعرفهم ولا يوجد شيء مشترك بينكم، ستعلم أن بدونهم لا معنى للحياة وأنهم هم الوقود الذي يجعلك تستقبلها كل يوم بفرح، وأننا وبدون استثناء محض جُثث سائرة لولا علاقاتنا المبنية على المحبة الخالصة كالتي تكون بين أم وولدها، أو شخص وصديقه الغالي، أو زوج وزوجته والأمثلة كثيرة…فأحبتنا هم من يشكلون المرآة التي نرى فيها أنفسنا ونقيس بها تفاعلات قلوبنا.

بعد هذا التأمل سترى بالعين التي لا تخطئ الرؤيا أن الله أغدق عليك وأكرمك بنعمه وأنت الذي كنت بالأمس تتشدق بالنقصان وتتحدث دائما فيما لا تملك.
وليس الخوض في هذا الموضوع ينفي أن يكون الإنسان مجتهدا أو طموحا، يسعى دائما لما هو أحسن في كل أمر أمامه، فمن جعل الرضى والطموح ضدان هي عقول متخلفة تعيق الإبداع أو تطبطب على فشلها بذريعة الرضى على كل حال…وإنما المبتغى وراء هذا استشعار لقيمة أشياء لا نراها بسب رتابة الحياة حتى نفقدها، وذلك لنعطيها حقها من القيمة والمكانة قبل أن يحصل هذا فعلا…وأنه لولا فضل الله علينا بها لكنا في مآل غير المآل الذي نحن فيه.

الغاية من هذا التأمل المزعج الذي يفر منه الكثيرون أن ترى عائلتك، وأصدقاءك وأحبتك بجوارك فتحمد الله بكرة وعشية وأن تعلم يقينا بأنهم كنز يجب أن تسعى دائما للحفاظ عليه وأن كمية السعادة التي تجدها عند مجالسة أحد تحبه ويحبك حبا حقيقيا ليس فيه أي نوع من المصالح لا تقدر بأي ثمن.
نحن أصبحنا للأسف في العالم الرأسمالي المادي والذي يمشي بسرعة خارقة بسبب الثورة التكنولوجية الضخمة قاصرين في الفهم بل وأحيانا ممتنعين عن النظر لقيمة الأشياء التي من حولنا، ماديين حتى في العاطفة إلا من رحم ربي.

فالعاطفة وكمية المشاعر الموجودة على صفحات المواقع الاجتماعي مثلا، والتي بات الجميع يعلم أنها ليست دائما حقيقية وأنه يشوبها ما يشوبها من التشوهات، أولى لنا أن نُسخِّرها لأحبتنا الحقيقين في الواقع والذين نعيش معهم في كل لحظة وحين. القليل منا من يستحضر النعم ويعيش وهو مقدر لقيمتها الكبيرة…يبدو ذلك في الوجوه المكفهرة التي بدأت تملأ الشوارع وفي الهمم المتردية التي لا تجد شيئا جميلا تقاتل من أجله في هذه الحياة، ولو أمعنت النظر قليلا لوجدت ألف شيء وشيء..
لِنُزل فقط الغبار الذي يغشي بصرنا وبصيرتنا…