النجاح وسؤال المعاناة

429

قد يحمل التفكير المبالغ فيه في تفاصيل وجزئيات ما يسعى إليه المرء، إلى الشعور باليأس والإحباط، وذلك لفرط الخوف من الإخفاق والفشل، حيث تتباين أولية الإنسان ومآله خلال مراحل حياته المختلفة؛ إذ يسعى في سني حياته باحثا عن سبيل لتحقيق أمانيه وطموحاته، أو غافلا عن طرق إيجادها؛ لهذا يكاد يتفق من كابد وجاهد وعانى في سبيل تحقيق مُناه ورغبته، على أن الحياة مكابدة ومثابرة، لا ينال المرء مبتغاه منها إلا بأَنَاةٍ ورَويَّةٍ، وتفان في العمل، ثم صدق الالتجاء إلى الله، والإيمان الجازم بقدرته على تدبير ما هو خير لنا فقط ولو كان عكس ما رمنا بلوغه، أما السعي وراء المبتغى بتكاسل وتقصير فلا يمكن كسبه بحال.

تتمثل الحياة المتزنة في عدم المبالغة في الاهتمام بالأمور من حولنا، أقوالا كانت أم أفعالا، تجاه أنفسنا أو تجاه المحيطين بنا، من خلال التمييز بين ما ينبغي الاكتراث به، وبين ما ينبغي الإعراض عنه، بالإضافة إلى توجيه الاهتمام نحو التغلب على مصاعب الحياة بأقل مجهود نفسي، وبأكثر مجهود عملي، وصرف الذهن عن مصاعب الحياة التي تحيطنا بالخوف، إلى شيء آخر أكثر أهمية، وهو العمل الجاد من خلال نقل الاهتمام من مبالاة شعورية إلى مبالاة عملية.

قد يضعنا هذا الواقع في ازدواجية من السعادة والمعاناة، إلا أنهما بمثابة جوهر الحياة؛ فكلاهما يشتركان في الاتصال والديمومة من حيث وجودهما، ولا زوال لهما، ولهذا السبب تحيط بنا المشاكل من كل جانب، لكنَّ قليلا منا من ينجح في حلها؛ إذ الاعتراف بها جزء من حلها، ونسبتها إلى أنفسنا هو حلها، وهذا هو الطريق نحو السعادة، على اعتبار أنها لا تتأتى من خلال البحث عن ماهيتها في بطون الكتب وأقوال الناس وتجاربهم، بل هي تجربة تُعاش، وتُفهم، ولا يتيسر لنا الوصول إلى هذا الجانب المشرق إلا بشيئين اثنين:
أولا: استيعاب العواطف والانفعالات الملازمين لهذين الشعورين -أي السعادة والمعاناة-، مما يساعدنا على معرفة أنفسنا وردود أفعالنا حال الحزن والفرح، وحال الألم والراحة، وحال الشك والاطمئنان، لضبطها أو تطويرها.
ثانيا: اتخاذ القرارات لحل المشاكل، والذي يستلزم الموازنة بين ما تمليه علينا انفعالاتنا من أفكار وحلول، وبين التفكير المعقلن لضبط هذه الحلول وإدراك مدى صلاحيتها وفعاليتها.

قال علي عزت بيغوفيتش في كتابه هروبي إلى الحرية: “هناك مستويات من الوعي والإدراك لا يمكننا أن نتحقق منها بأي طريقة إلا بأن نكابدها بأنفسنا. سيكلف الأمر بعض المعاناة والألم حتى نصل إلى هذا المستوى، حتى نرى ونتيقن بأنفسنا، لكن ليس هناك طريقة أخرى.”

ولا يتأتى التحقق الفعلي لنتائج هذين المعيارين إلا بتخلي المرء عن قناعته بأنه على صواب في أقواله وأفعاله جميعها، أو نسبة الأخطاء إلى الآخرين دائما، مما يُبعدنا عن جادة الصواب حقا، فيصعب علينا -من ثم- فهم أنفسنا، وفهم المحيطين بنا؛ إذ لا بد لكل من يواجه مشكلة معينة، أن يتحمل مسؤولية ما وصل إليه من نتائج سيئة الوقوع، أو صعبة التجاوز وألا يلقي باللائمة على الآخرين، باحثا في خبايا نفسه عن سبب هذه العوائق، ثم التطلع دائما إلى اكتشاف ذاته من خلال مراجعة آرائه ومعتقداته وأفكاره، قد تُنتج هذه المراجعة أجوبة لأسئلة صادقة غير مريحة البتة، لكن يكفي أنها تعينك على فهم ذاتك والقدرة على استيعاب مختلف تقلباتها، وإن لم نقبل نحن هذه الأجوبة من أنفسنا ونتقبلها فمن سيفعل؟ بحيث إذا أقنع الإنسان نفسه بأنه مسؤول عما آل إليه حاله، وأدرك أن ما يحيط به نتاج لما تراكم من أحداث ومشاكل عجز عن حلها بدءا، يكون هذا الوعي بمثابة الشرارة التي قد تدفعه إلى المضي قدما بحياته.

وهذا ما سيخول لنا تقبل مصاعب الحياة واستيعابها والقدرة على تجاوزها برضى ولو بصعوبة، بالإضافة إلى التمكن من تحديد القيم والمعايير التي تختار بها ما تحب وما تكره، دون أن تخشى أحدا، باعتبارها المعايير التي يحدد بها المرء نجاحه أو فشله سواء كانت أعرافا أو تقاليد أو آراء شخصية.

تنبني حياتنا على تجارب متنوعة، ونمر خلالها من خطوة إلى خطوة، ومن تجربة إلى أخرى، ومن خطأ إلى آخر، وهو ما يساعدنا على بناء رؤى خاصة بنا، وتطويرها من حين لآخر، لأن الحياة لا تتوقف على تجربة واحدة بل على وقائع وأحداث مختلفة، تجعلنا أشخاصا مغايرين لما كنا عليه بالأمس -وهذا أمر صحي-؛ إذ يمنحنا القدرة على تجاوز الصعاب من جهة، والتعلم من الأخطاء من جهة أخرى، وهذا الاعتراف بالخطأ، والسقوط والألم هو ما يجعلنا مقبلين على التطور والارتقاء.

أما الفشل الحقيقي فهو أن تستسلم عند أول سقوط لك، وتضرب بطموحك وهدفك عرض الحائط.. إن الفشل ما هو إلا سبب من أسباب وجود خلل في التركيبة العملية لتحقيق الأهداف، مما يعني إعادة الاشتغال عليها بجهد أكبر، وتركيز أكثر للاستفادة منها أولا ولتخفيف حدود الفشل ثانيا، لأن عدد ساعات الألم، وعدد ساعات التعب، وعدد مرات الفشل قبل النجاح هو ما يجعلنا أكثر إيمانا بقدرتنا على تحمل مسؤولية تحقيق أمانينا، وفهم معنى من معاني وجودنا في هذه الحياة.

إن النجاح ينبع من الإيمان بحقيقة هويتك، وحقيقة ما أنت عليه، ومدى صدقك مع نفسك، والعمل على تحقيق أهدافك انطلاقا مما أنت عليه، لتكون أنت، لا لتكون شخصا آخر.