أعِدُّوا ما استطعتم

302

إذا زحفت بجيشك إلى حرب تجهل عدوك فيها وتستهين بقوته وعتاده فإنك في الغالب ستعود وأنت تجر ذيول الهزيمة…وإذا ذهبت للسوق لاقتناء بضاعة حسبتها أرخص بكثير مما هي عليه فإنك ستقف أمام البائع لتجد مدخراتك عاجزة على مجاراة قيمتها…،حتى إن انطلقت في رحلتك لتبلغ مدينة تجهل مسافة بُعدها فاعتقدت أنها قريبة إليك، فإن سيارتك ستتوقف بك في منتصف الطريق دون زاد ولا بنزين…

وكذلك شأن الحياة وما نصبوا إليه في أيامها، كلما أبخست قيمة الهدف الحقيقية واستهنت بمتطلباته، إلا ووجدت نفسك في حلقة مفرغة تكرر مشاهدها دون أن تسلك طريقا للخروج منها ولا الاستقرار من ضياعها.

مقالات مرتبطة

كم مرة بدأت كتابا أو رغبت بتعلم لغة أو الاقلاع عن عادة ما لتجد نفسك في حالتك السابقة بعد أيام؟
كلنا ينشد التغيير في حياته، يرغب في التخلص من عادات تدمره أو ملئ فراغ يقتات على راحته، يرغب في النجاح في مجال ما وهو بذلك يعتقد أن التغيير مسألة يوم أو يومين ليعود لحالته الأولى بخيبة أكبر وإصرار أقل. ونحن بذلك نكون ضحية ثقافة كاملة تروج للتغيير السهل في كتبها ومحاضراتها مدعية أنها تشحن هممنا وترفع معنوياتنا، وهي بذلك لا تختلف عن المرشد الذي يرسلنا في طريق إلى مدينة تبعد آلاف الأميال ليقول لنا: إنها مسافة عشرة أميال فقط، فهو بذلك يصنع وهمنا وضياعنا لا أكثر.

إذا كنت ترغب في التغيير فإنك في الغالب لن تتغير بشيء، وستبقى على ما أنت عليه إلى أن تموت، ستعيش نفس الهاجس وتنتقل به لمراحل جديدة كالدراسة والعمل أو الزواج وأنت تحمل نفس الرغبة، لأنك لم تعطه حقه ولم تعد له ما يوازيه من تضحية وعزيمة، ولأن التغيير هو الاستثناء لا القاعدة، ولأن قصص التغيير تتناقلها الألسن كأنها معجزات بشرية يطمح الملايين لتقليدها دون جدوى.

كلنا يطلب حبا حقيقيا في حياته معتقدا أن الأمر مسألة إعجاب أو لقاء أو مشاهد رومانسية، لكنه سرعان ما يعيش خيبته كل مرة ليبحث عن تجربة أخرى من جديد، وسيبقى كذلك إلى أن يستسلم في مرحلة معينة ويقبل أول الطارقين حتى يواكب الآخرين في عاداتهم، لأننا استهنا بقيمة المشاعر الحقيقة وجردناها من كل قيم التضحية والعطاء والنضج التي تصاحب أي هدف عظيم.
ولاشك أن كلا منا يعيش أنصاف حلول لا تنتهي في حياته، من طموحات دراسية، ومادية وعملية حسبها لوهلة أقرب الأمور إليه، ليكتشف أنها سلعة باهضة لم يدخر إلا جزءا ضئيلا من ثمنها.

كلامي هذا ليس كلام إحباط للهمم ولا دعوة لاحتراف الجمود، بل هو كلام يدعو للواقعية، ولدراسة الهدف والتعرف على المسافة قبل بدء الرحلة…دعوة لنُعدّ ما استطعنا لطموحاتنا…دعوة لنتعرف قوة العدو قبل المعركة حتى لا نعود بجراح أكبر في كل مرة تشل حركتنا في القادم من أيامنا.