حكمة على مشارف الرحيل

217

يرقد على سريره كجثة هامدة، بعد أن أقنعه ثلة من الأطباء المحنكين باستحالة شفائه، يتأمل نفسه في يأس، ولعلها المرة الأولى وبعد سبعين سنة مضت من حياته يتفرغ فيها لنفسه ويختلي بذاته، فقد كانت انشغالاته في الحياة لا تعد ولا تحصى. وهو في حالته التأملية تلك، سرق تركيزه دخول حفيده الصغير الذي بدأ لتوه يخطو خطواته الأولى ويبدو سعيدا جدا بإنجازه العظيم.

استأنف نشاطه التأملي بعد أن أبى إلا أن يشرك فيه ضيفه الصغير، وقبل أن يهمس في صمت أرسل من أغواره تنهيدة عميقة تكفي لتعبر عما يليها من بوح الكلام، آه يا بني، لو تدري أن ما بين خطواتك الأولى تلك ولحظاتي الأخيرة هذه ما هو إلا خيط صغير جدا لما بدوت بهذا القدر من الفرح والحماس الكبيرين، لو تدري يا بني أن خطواتك تلك ستقودك إلى متاهة عالم شاسع سيحسن فيه الفضول استقبالك ليغرقك بعد ذلك في دوامات من التيه والشقاء، وسيكون أول ما سيعلمك إياه هو أن الحياة معادلة صعبة والسعيد هو من نجح في حلها، وتلك القاعدة ستكون هي رفيقتك في رحلة جهادك نحو المستقبل.

ستجد نفسك يا بني في مفترقات طرق، كلما سلكت إحداها صادفتك في نهايتها أبواب موصده وأخرى تؤدي بك إلى مفترقات طرق جديدة، مع ذلك ستستمر في التقدم، ليس لأنك لا تعترف بالاستسلام، بل لأنك لا تملك الاختيار، فالحياة لن تتوقف أبدا لأجلك، ستقاوم وستحارب، وفي نهاية المطاف ستحقق كل ما كنت تظنه سابقا بعيد المنال. ستعتلي المناصب التي لطالما حلمت بها، ستحصل على ماركة سيارتك المفضلة، ستتزوج فتاة أحلامك، وستملك بيتا جميلا لا تكاد تميز أطفالك الصغار في حديقته الكبيرة.

باختصار، كل تلك الأحلام الوردية التي راودتك وأنت على مشارف مراهقتك، ستكون هي نفسها أو ربما أكثر بقليل مما تخيلته، لكن سعادتك في الحقيقة لن تكون أبدا بذاك القدر الذي توقعته. بالمقابل، كل ما ستناله بين الفينة والأخرى لا يعدو أن يكون سوى جرعة صغيرة من المتعة سرعان ما ستتلاشى، ليلازمك بعدها إحساس بفراغ داخلي كبير مع ما حققته من إنجازات عظيمة، لتعاني من عدم الاكتفاء مع امتلاكك لكل شيء  تعيش مع شبح الوحدة وأنت الذي لا تحصى علاقاته ومعارفه.

ستنتابك حالة من الشك وخيبة الأمل، ستمطرك سماء فكرك بوابل من الأسئلة المزعجة، وستسعى جاهدا لفهم قوانين الحياة ونواميسها ظنا منك أنها ستساعدك على اكتشاف سر السعادة الحقيقية، وقبل أن تكتشف أن السعادة التي أفنيت عمرك في الركض وراءها ما هي إلا مجرد سراب، ستكون حينها قد وصلت لنهاية الرحلة.

مقالات مرتبطة

وبعد أن يصير كل شيء حولك بلا قيمة وبلا معنى، ستتحول لمجرد شخص ضعيف وعاجز يشاهد شريط حياته ويمتهن مهنة ناقد ذاتي بارع، يؤهله لاكتشاف مدى حجم أخطائه وذنوبه، ستكتشف كم كنت جاهلا وأنت تحاول فهم العالم حولك وفيك انطوى العالم كله، كم كنت ساذجا عندما ظننت العالم معادلة معقدة وما هي إلا مجرد لعبة سخيفة تسليك في بدايتها وسرعان ما تشعرك بالضجر، وستدرك أن رحلتك في الحياة كانت قصيرة وأنك استنزفتها في محاولاتك الفاشلة لتأخذ منها الكثير عندما كانت في الحقيقة هي من تأخذ منك كل شيء خلسة.

وعندما تستوعب كل هذا، ستكون ممددا على سريرك الحريري في انتظار موعدك مع ملك الموت، أو ربما لا تظفر حتى بهذه الفرصة فيباغتك هذا الأخير وأنت لا تزال وسط معمعة الحياة، فترحل دون أن تعرف شيئا من هذا.

اه يا صغيري، ما أصعب رحلة الحياة.. وما أقسى نهايتها.. عندما يحين مشهد الفصل الأخير وقبل أن يسدل الستار، فتأتي لحظة الأمنيات المستحيلة على هيئات مختلفة، كقبلة تطبعها على جبين أمك الحنون، أو ابتسامة تنشرها هنا وهناك، تحية سلام تحيي بها جارك، كلمة طيبة تقولها لأهلك، اعتذار لمن أسأت إليهم، اعتراف بالجميل لأختك أو لأخيك، هدية تفرح بها طفل صغير، أو لحظة أنس في حضرة الله.

أشياء بسيطة جدا لن تبدو لك بتلك الأهمية وأنت لا تزال في أوج قوتك وحيويتك، ولن تستشعر قيمتها قبل أن يطرق الموت بابك فتعزف لك الحياة لحنا حزينا كالأنين، فاحرص يا بني على أن تعيشها بكل تفاصيلها قبل أن تصبح أمنيات على مشارف رحيلك.