لملم شتات نفسك

603

تطور الزمان وتعقدت معه الحياة، وأصبح العيش في هناء مجرد حلم يتمناه الجميع، وجود كل شيء، وسهولة الحصول عليه، جعل الحياة مملة متعبة، والبحث عن عيش مريحٍ بعيدٍ عن عناء الحياة، خلاصا لابد منه، لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل حقا هناك حياة خالية من التعب والعناء؟
ما الحياة إلا مراحل، أشدها وأعظمها ما كان حالكا، إذا أخرجت يدك لا تكاد تراها، لا طعم لشيء، تتساوى الأحاسيس، وتذبل المشاعر، ولا يزيدها مرور الأيام إلا ضيقا، حالة مريرة من الرتابة، يتجرعها كل صباح، وبئر سحيقة من الأسئلة يلجها، تشق صدره الحاني، وتصم آذانه، ولا تصل إلى مسامعهم، أاستغشوا ثيابهم! أم أن الرياح أدرى بعجيجها!

أسئلة مرهقة، والأرهق منها محاولة إيجاد إجابات شافية تكون بلسما لعقل حائر. لقد أصبح للحيرة جذورا لا يمكن اقتلاعها، وجذوعا لا يمكن كسرها، نمت وتغلغلت ضاربة في أعماق النفس. اللون الباهت ساد ناظريه، وتعب ونصب، وسهر ووهم، وألم وندم وأنفاس أصبحت كالحبل حول العنق، يوم آخر معناه أن يوما آخر ينضاف إلى سجل المعاناة، روتين مر كالعلقم، يتجرعه ولا يكاد يسيغه، يتمنى لو أن الأرض تنشق من تحت قدميه، وتُوقف الحياة البائسة، يتأرجح بين أمل زائف وإحساس دفين بالعجز والتيه. هوى ولم يجد يدا صادقة تلحقه، كل الأيادي ابتعدت، ولم يلتفت إلى مواجعه أحد! لا من يرسم ابتسامة في وجهه الحزين، ولا من يُدخل البهجة عليه، ولا من يصدح مناديا بالخلاص. السواد القاتم بسط أذياله، واكتفت الأعين بالمشاهدة، تراقب النهاية كيف ستكون!

تفرقت السبل، وأصبح الاستسلام لتلاطم الأمواج في بحر لجي، أمرا حتميا، بعدما صار البحث مضنيا، أصبح الاستمرار فيه ضربا من الخيال، والقدرة على مواجهة التيار غير ممكنة. ترهل الأمل، ودب الهم والغم معتصرا قلبه، خبت جذوته، وانهار جدار إرادته، وانتظرَ من يُقِمه.
انزوى في مكانه، وغاب البريق من عينيه، تقاذفته الأيام، وملأ جوفه صدى كلماته اليتيمة، في بئر أوجاعه. كل الألوان أحيلت للون واحد، ساد السواد وأرخى رداءه، أُرغم على خوض حرب لا هوادة فيها، وتتالت الضربات عليه أكثر، لم يقم صرحا لصد الهجمات، ولم يؤازره أحد، أو يحمي ظهره، حينما حمي الوطيس. أُتخنت الجروح، وبدل وضع المرهم، وُضع الثوم، وازداد عمق الجراح، سقط في غياهب اليأس، حينما تآمر عليه الخوف واليأس، والغدر والخيانة، والمكر والخداع، والكذب والزور، والأصدقاء والأعداء، وسلموا قميصه ملطخا بالدماء.
اشتاق أن يرقص قلبه فرحا، وأن تُرسمَ على شفتيه بسمة اعتراها النسيان، ولم يعد يذكُر منها إلا اسمها، تاهت فأصبحت سجينة دوامات جارفة، عاجزة عن تجاوز طوفان المواجع والمآسي! ساءت حالته، وتنكأت فيها الجروح، ولم تأت يد تستدرك، وتضمد جروحه، وتتحسس مواطن وجعه، أو تنتشله من بئر السحيقة، وتشد على يديه، وتعترف بتقصيرها، طالبة الصفح، إنما تمادت وطغت، تساقطت الوجوه تِباعًا، الواحدة تلو الأخرى، فالهزيل من الأوراق تذروه الرياح.

بعدما تعاقبت عليه الفصول، بحلوها ومرها، بجدها وهزلها، بشتائها وصيفها، بخريفها وربيعها، تنظر إليك المرآة في ريبة؛ وجه شاحب، وجسد هزيل، ظهر محدودب -قبل الوقت-، شعر مبعثر، تجاعيد اليأس على الوجه، وهالات سوداء حفرت طريقها تحت العين، حالٌ واشٍ بما لم يقدر اللسان أن يبوح به، وحتى إن أراد البوح، من سينصت؟ جدران غرفته رغم ألوان الطيف المكتسية بها، اتشحت بالسواد، كأن جميع الأشياء التحمت مؤازرة له في محنته، حتى ساعة الحائط تدق خطواتها الباردة بحزن، مساندة له.

اعلم! أن المخاض ما اشتدَّ إلا ليُعْلَنَ عن ولادة جديدة. أزل عنك رداء الخيبة واليأس، لملم شتات نفسك، وأطلق سراح ابتسامة اعتلاها غبار الشؤم والوجع، وأزل عن عينيك غبش الخوف والفزع، اركض إلى آخر رمق، كي ترجع الحياة إليك من جديد، وتملأ الصدر بالطمأنينة، فلن يقم صرح إرادتك غيرك، واعطِ لكل قدْرٍ قَدْرَهُ.