وجعل لكم الجبال أكنانا

256

نهاية الأسبوع تَعني للأغلبية وقتا للراحة، لقاء الأصدقاء وقضاء المصالح الشخصية، في حين أنها تعني للبعض موعدَ تحدٍ جديدٍ مع الطبيعة؛ وهنا أتحدث بالضبط عن عشاق الرحلات الجبلية.

يَستغرب أصدقائي هذا النشاط الرياضي الذي أحب مزاولته من حين لآخر، يبدو الأمر لهم مُتعباً، غير أن الحقيقة مُغايرةٌ تَماماً، فَيَوْمٌ في قلبِ الطبيعة يُوحِي بالراحة النفسية، والاسترخاء الذهني وكسر الروتين اليومي اللعين، والأهم مُغامرة بمنتهى الانبساط والتجدد.

كيف لا والعزيز القدير قال في سورة المنازعات: {وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} نعم، الجبال مَتاع النفس، والروح، والعقل والجسد، فضلًا عن كونها مصدرَ نفعٍ للبشريةِ، باعتبار وظيفتها الجيولوجية الأساسية وهي تثبيت الأرض. إنها أيضاً ذلك الحصن الذي يَقِينا البرد والحر، لقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالٍ أَكْنَاناً} والأكنان جمع كِنّ، وهو ما يستتر فيه سواء أكان غارًا أو مكانًا عاليًا أو بيتًا منحوتًا، ولعل الجبال هي ذلك الموطن الذي نَعتزل الخلق فيه.

ومهما بَدت لك الجبال متشابهة في الشكل أو متقاربة في الارتفاع، فهي تختلف في تضاريسها وبالتالي في مَساراتها؛ إذ تُوجد جبال تَتَوَسَّطُهَا الوديان والأنهار، فتَزيد كثافةُ الغاباتِ المتواجدةِ بها من هيبتها، وتُوجد جبال أخرى تَكْتَسِحُها تلك الصخور الصلبة والتي تُجبرك على التوقف مراتٍ عديدة للاستراحة وأَخْذِ نَفَسٍ جديد، وهذا ما يَزيد الرحلة ضغطًا لطيفًا.

ومهما غيرت الجبال من كِسوتها وزينتها بين الربيع، والخريف، والصيف والشتاء، فإن شعار رِحلتها الكَونية لا يتغير…الشُموخ والاستقامة يا سادة على مَمَرِّ العصور والسنين وفصول الحياة.

إذن لن نختلف عن روعة الجبال وإبداع الله في كونه، ولَعَّلِي أرى في ما ذَكرتُه أسباباً كافيةً مِن شأنها أن تَشُّدَ الناسَ حتى يَكتشفوا العوالمَ الخَفِية لهاته العظمة، ويَستمتعوا بها عن قرب وبشكل أكبر.

مُتسلقو الجبال لهم فلسفة بسيطة في الحياة، يَقصِدونها برغبة واحدة وهي صلة الرحم مع الطبيعة، يَقصدونها لأنهم في حاجةٍ إليها، يُرِيدُونَ القليلَ من الكثيرِ الذي عندها من وقوِد الحياة، ألا وهو الصمود والإصرار.

الحب ابتلاء جميل والابتلاء بِحُبِّ تسّلق الجبال ابتلاء عظيم، هو تمرين للعقل والجسد على تَحمل الصعوبات والتعامل مع الضغوطات، والاستعدادُ لصُعودِ قِمة جبلٍ ما؛ هو استعدادٌ لرحلةِ اكتشاف الذات وإثباتها، وهنا أستحضر المقولة الشهيرة لديفيد كومولوخ: “لا تتسلق الجبال ليراك العالم وإنما لترى أنت العالم.”

يَبدو العالم من الأعلى صغيرًا لا يستحق كل هذا العَناء، وموضوعًا يُكتب على هامش الورقة، وفي السياق ذاته يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: “الذي يَصعد الجبال الشاهقة يَضحك على كل المآسي، مسرحيات كانت أم حقيقة.” من فوق، تَتضح الرؤية فَنَسْتَصْغِّرُ كل شيءٍ بَالغنا في تقديره، يبدو مشهد الحياة على الأرض أكثر واقِعيةً وأقل دراماتيكيةً.

الرحلة الجبلية لِقاء مع العلو والشموخ، لِقاء يَسوده ذلك الصمت الأنيق وذلك الصبر الجميل. إن رِحلتك إلى قمم الجبال هي تَجسيد لِرحلتك في الحياة؛ فكُلَّما تَفَوَّقْتَ على جبلٍ وفَرِحْتَ بإنجازك هذا، كُلَّما اكتشفت بعد أيام معدودةٍ أن الأمر جِد عادي، ولا يستحق كل هذه الفرحة، وأن ما قمت به حَدَثٌ سَيَدْخُلُ طَيَّ النسيان بعد قليل. وهذا ما يَدفعك إلى رَفع سَقف تَّحَدِّياتِك شيئًا فشيئًا، كما هو الشان في طموح الفرد في الحياة عامةً.

إِلا أن الميزة في تحدي الجبال هو كونه ذلك التحدي الصافي من أي شَوائب؛ فالجبال لا تَقبل رشوةً، ولا تَعترف بوَساطةٍ، ولا تَهمها أيةُ سُلطةٍ، ولا تَعنيها لغةُ المجاملاتِ ولا تَحكمها أية ظروف. الجبال واضِحة الملامح وفَصيحة التعبير، خِطابها وَجيه، وأنت َتقْصُدُ قِممي لا تَنْس أنك في اختبار حقيقي لصُمودكَ، لعَزيمتكَ وامتدادكَ، دون أدنى شَكٍّ في مصداقية ونِزاهة كفاءتك وإمكانياتكَ.

وأروع ما قد يَعيشه المرء في مشواره الجبلي هو تلك القَيْلولَةُ التي يَحظى بها في أعلى القِمة؛ غَمْضَةُ عَيْنٍ عَميقة في حُضن الطبيعة، هي دقائقٌ مَعدودةٌ آمِنةٌ ومُنعشة، لا تُشترى بمالِ قارون، هي هَديةٌ رمزيةٌ من الجبال مُكافأةً لك على عدم ستسلامك.

على عُلو الارتفاعات الشاهقة نَكونُ قريبينَ من السّماء يا الله، نُلامس السحّاب نُطهر أُذننا وأذهاننا وأنفسنا من ضَجيجِ وتَلوثِ وخُبثِ الحياة.
من أعالي الجبال نُناجي الخالِق٬ نُحس بنشوةٍ غريبةٍ ونُلامِس عَظمته بشَكلٍ مُغاير كيف يا الله؟ كيف؟ سبحانك يا الله أنت البديعُ العليم كيف خلقت كل هذه العظمة في سِتة أيام فقط مع أنها جزء صغيير جداً ضِمن المَنظومة الكونية.

وبعد صعود الجبل ونُزوله نَعود إلى القاع٬ إلى أرض الواقع حيث للمادّيات الكلمة الحاسِمة، ولكننا نَعود أُناسًا مُختلفين أكثر إِقبالاً على الحياة، نَعود مُزَودين بالطاقة الإيجابية والمعناويات العالية. فِعلا٬ صعود الجبال مَصنع الدعم المعنوي للتَغلب على مشاكل الحياة والتفوق عليها بامتياز.
ومن قال: إن في النشاط خطورة أو ما شابه، سأقول له: الخطورة تَكمنُ في ألا تُبارح القاع الذي ازدحم.

فمن لا يُحب صعود الجبال يَعش أَبَدَ الدهر بين الحُفر.