تجربة الوعي بالذات

3٬995

إن أخص خصائص الإنسان التي تميزه وتبوئه مكانة أسمى من غيره من الكائنات الأخرى، أنه كائن عاقل يعي ذاته، ويعي وعيه بذاته. غير أن التعقيد الذي يَطبع طبيعة الإنسان تجعل من هذا الوعي بالذات أمرا يستدعي تجربة شخصية على كل أحد أن يعانيَها ويخوضها بنفسه، قصد الوصول إلى تحديد دقيق لأمور، عليها تتوقف حياته.

تجربة الوعي بالذات هذه هي التي تقودك إلى أن تعرف ما تريده من هذه الحياة، ولم أنت موجود؟ وما هي الطموحات التي تريد تحقيقها في حياتك؟ وما الدوافع القوية التي تحركك؟ وعلى أجوبة هذه الأسئلة يتوقف الكثير مما يتعلق بتحقيقك لشخصيتك. ثمة أمور كثيرة، هي بمثابة قوانين، يقتضيها خوض هذه التجربة، ولعل أهمها على الإطلاق أن تكون مبادرا، في خوض التجارب المفيدة، في إنشاء المشاريع، كائنا ما كانت، والإقبال على مستجدات العلم والاقتراب منها.

إن أهمية المبادرة هي التي جعلت Stephen R. Covey في كتابه: the seven habits of highly effective يعتبر أن أول قانون – لكي تكون شخصا مؤثرا ومنتجا- هو: “كن مبادرا”، وهو ما يعني أن تكون لك الجرأة على القيام بالمبادرات، أيا كانت، شريطة أن تتعلق بأمر، أو مشروع أنت مُهتم به، وراغب فيه رغبة قوية، تدفعك للقيام به، وإخراجه إلى أرض الواقع. ومن طبيعة الأشياء أن النجاح لن يحالفك في كل مشروع تنخرط فيه، غير أن ذلك لا يعني التراجع عن المبادرة، وسيطرة الخوف المرضي من الفشل عليك. إن فعل المبادرة في نفسه يتخذ هنا قيمة إيجابية، بغض النظر عن النتائج التي تلته لاحقا؛ لأنك حين تبادر، قد تنجح وقد لا تنجح، ولكن عدم المبادرة يستلزم عدم النجاح ضرورةً.

ومن المؤكد أنه لو استطاع كل أحد منا أن يدرب نفسه على أن يكون مبادرا لتغيرت الكثير من الأمور السلبية في هذا الوطن، ولغيّرنا جزءا كبيرا من وضعنا الحالي، ولتفادينا الكثير من التحديات التي نواجهها اليوم. إن تجربة الاقتراب من الذات ومحاولة الوعي بها تختلف من شخص إلى آخر، وذاك مقتضى كونها تجربة شخصية. وبالنسبة إلي، فتجربة اكتشافي لذاتي ارتبطت في الغالب بالسفر، فهو طريقتي المفضلة في الاقتراب من ذاتي. ولم يكن قصدي قطّْ حين أسافر أن أكتب حول السفر، أو أن أنشر مقالات عنه، فهذا يأتي تبعاً، وقد يكون من تحصيل الحاصل، لكنَّ هناك شيئا داخليا هو الذي يحركني دائما لكي أسافر؛ فكل بلد أسافر إليه أكتشف فيه جانبا من ذاتي. ومن هنا، فالغاية من السفر لا ينبغي أن تقتصر على اكتشاف الأماكن، وإنما يجب أن تتعداها إلى اكتشاف الذات بكل أبعادها وجوانبها.

إن تجربة السفر إلى مكة أو المدينة تجعلك تكتشف الجانب الروحي من ذاتك، أو السفر إلى الهند، خاصة المدن الروحية من هذا البلد كفاراناسي، التي تعتبر العاصمة الروحية للهندوسية، فهذه التجربة تجعلك تكتشف الجانب الروحي -وليس الديني- في ذاتك؛ وتجربة السفر إلى الأمازون تجعلك تكتشف الجانب الحيواني والطبيعي في ذاتك. فيمكن القول، إذن، بأن هناك علاقة طردية بين عدد تجارب السفر وبين مستوى وعيك بذاتك، بكل جوانبها. وقد فصلت القول في هذه الفكرة في مقال لي سبق نشره في موقع معاني بعنوان: “كلما ابتعدت اقتربت”.

إن هذا الارتباط القوي بالسفر هو ما جعلنا نحلم، أنا وصديقي مهدي بنصري، منذ عشر سنوات، بأن نسافر من الداخلة إلى داكار ونسجل فيلما وثائقيا حول هذه التجربة؛ حيث انطلقنا في شهر مارس من سنة ٢٠١٠ من الداخلة مرورا بموريطانيا وصحرائها، ودخلنا إلى السنغال عبر مدينة اسمها روسو وصولا إلى داكار، ووثقنا ذلك كلَّه بالكاميرا. ولأن للتقنية آفاتها، فقد ضاع منا الفيلم بسبب ضياع القرص الذي احتفظنا به فيه، ورغم أننا فعلنا كل ما يمكن فعله لإصلاحه، إلا أن محاولاتنا لم تكلل بالنجاح.

غير أن فكرة القيام بإعادة التجربة نفسها أو تجربة مشابهة لها بقيت دائما معلقة في أذهاننا، وإن كان ذلك لم يكن ممكنا حينها؛ إذ كنت لا أزال طبيبا مقيما، ومتابعا بكثرة الامتحانات، ومهدي لم يكن يعمل حينها، وبقي الأمر على ذلك الحال حتى أسسنا موقع “معاني” في سنة 2016، مع مجموعة من المدونين المغاربة، وهو فضاء يجتمع فيه كل من ينتج محتوى هادفا، سواء كان مقالا أو مقاطع فيديو، ومن هنا تطورت فكرة معاني إلى إعداد روبورتاجات عن أسفارنا، كما فعلنا في رحلتنا إلى أمازون ورحلات أخرى إلى مكة والهند.

وقد سبق لنا في معاني أن عرضنا الفيلم الذي يوثق لرحلتنا إلى الأمازون، التي كانت من أكثر التجارب التي شكلت شخصيتي والتي تعلمتُ فيها الكثير من الأشياء التي ما كان ممكنا لي تعلُّمها لو لم أسافر. لعل أهمها أننا لسنا بحاجة إلى أشياء كثيرة لكي نعيش بشكل جيد، وأن كثيرا مما نظنه من الضروريات ليس كذلك إلا لأننا توهمناه كذلك، وحين تضطر للتخلي عنه أو تختار التخلي عنه برغبتك فإنك تنجح فيه.

عشنا هناك خمسة أيام بلا كهرباء ولا ماء ولا اتصال بالأنترنت. ليس هناك شيء آخر غير الطبيعة، نعيش في الغابة ونصطاد منها ما نأكله. وحين يحل الظلام مع السادسة مساء أجدني في مواجهة مباشرة مع ذاتي، تأملا وتفكُّرا؛ إذ لا إمكانية للقيام بشيء آخر غير التأمل والتفكر. كانت تجربة هائلة وملهمة، مكنتني من التقرب من ذاتي والتعمق في اكتشافها بشكل لم يسبق لي أن جربت مثله.

خلاصة ما أريد إيصاله إليك، أيها القارئ الكريم، أن معرفة الذات والوعي بها شرط ضروري لكي تعيش حياتك بشكل سوي، وهذه المعرفة ينبغي لك أن تعي أنها وليدة مخاض عسير، لا يمكن الوصول إليها من دونه. وقد عبر جبران خليل جبران عن هذه الصعوبة حين قال: “ما عييت إلا أمام من سألني: من أنت”؟ وليست بتلك السهولة التي تقدمها بها كتب التنمية الذاتية، وبذلك التبسيط المبالغ فيه؛ حين يأتي إليك المدرب ويوجه الخطاب إليك قائلا: “اعرف نفسك، كن أنت، كن سعيدا …” ثم يتحدث عن النجاح بطريقة تجريدية لا تجد لها أثرا في الواقع الحقيقي. حتى أصبحت كلمة النجاح لا معنى لها، طالما أنها تبقى حبيسة الأفكار التجريدية.

إن النجاح في الواقع العملي، من منظوري الشخصي، هو أن تنتقل من مرحلة (أ) إلى مرحلة (ب)، ومن هذه إلى أخرى، فتكون بذلك نجحت في هذا الانتقال. لكن النجاح المطلق هكذا في الحياة بأسرها ليس له وجود إلا في أذهان من يتوهمونه؛ ذلك أن الحياة في الأصل لم توجَد لكي تَنجح فيها، وليس مطلوبا منك ذلك، بل الحياة تعاش بكل جوانبها، السعيدة منها والتعيسة. والتجربة أثبتت أنه كلما كانت ظروف حياتك صعبة، وكلما عانيت إلا وخضت تجارب أكبر، هذه التجارب تخلق لديك قدرا من السعادة، وقدرا من الحكمة، لا يصل إليه من لم يمر من هذه التجارب؛ إذ لا الحكمة ولا السعادة يُنالان بالنصائح وملاحظة تجارب الآخرين.

إنه أشبه بقانون: لا تنال الراحة بالراحة، ولا السعادة بالسعادة، بل لا مندوحة عن المعاناة والكد والسعي لكي تستشعر سعادة الحياة وحلاوتها. وهذا بعضٌ من معاني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: الآية 4].

إن القارئ لسير العظماء عبر التاريخ يقف على حقيقة جلية بينة، وهي أنهم كلَّهم كابدوا وقاسوا وعاشوا تجارب صعبة، ومن جملتهم نبينا محمد عليه السلام. وحسب كتاب: man search for meaning الذي ألفه عالم النفس الألماني Victor Frankel والذي قضى أربع سنوات في سجون النازية، وخاصة في معتقل أوشفيتز، وكان يلاحظ ويتابع أحوال السجناء، واكتشف أن السجناء منهم من ينتحر، وهم الذين فقدوا أي رغبة في العمل، وفقدوا الأمل في المستقبل، ومنهم آخرون وإن كانوا في السجن، لا زالوا يعملون، ويلقون النكت، ويضحكون، ويؤمنون بأنهم سيعانقون الحرية من جديد في يوم من الأيام. توصل فرانك من خلال ملاحظاته وتجاربه هناك في السجن إلى تأسيس اتجاه جديد في التحليل النفسي وهو العلاج بالمعنى “logotherapy” أو الاتجاه الوجودي في مدرسة التحليل النفسي. إن أهمية هذه المدرسة تنبع من كونها نتيجة لتجربة المعاناة التي عاشها فرانكل في السجن، هذه التجربة الذي أوصلته إلى اكتشاف أن الذي يدفع الإنسان إلى الحياة ويحركه هو المعنى.

أكد فرانكل في هذا الكتاب أن الإنسان يحقق وعيه بذاته من خلال ثلاثة أمور:

-في تجربة الألم والمعاناة؛

-في عملية الكتابة والفن؛

-وفي العلاقات الإنسانية مع الآخرين.

إن اقترابك من ذاتك ووعيك بها من خلال أحد هذه الأمور الثلاثة أو بعضها أو جميعها، هو ما يجعلك تكتشف المعنى أو المعاني التي تعيدك إلى حيويتك ونشاطك، وتُعيد إليك رغبتك في تنمية وتطوير ذاتك، ومن تم، في أن تكون منتجا ومسهما في تطوير بلدك، والإسهام والانخراط في عملية إصلاح الأوضاع القائمة به.