ثورة الإنترنت

258

 

مقالات مرتبطة

في العقود الماضية قبل الإنترنت، كان النشر في العالم العربي متاحا لفئة قليلة من الأدباء والمثقفين المصنفين بأعمالهم وانتماءاتهم، ولم تكن الفرصة متاحة لسواهم، مما أدى إلى احتكار الصحف الوطنية والمجلات من طرف فئة معينة من المثقفين المحظوظين. وفي لمح البصر تغيرت الأوضاع؛ إذ بظهوره تم سحب البساط من هؤلاء المصنفين الكبار، وظهرت موجة كبيرة من أدباء ومتأدبين استغلوا غياب تأشيرة العبور تحت سماء مفتوحة ليرسخوا حضورهم المستمر الذي لا يعني بالضرورة جودة الكتابات وسلامة التعبير؛ حيث ظهر ما يسمى بأدباء الفايسبوك الذين منهم مبدعون وكتاب متمكنون من أدواتهم، ومنهم مرتزقة الحرف الذين يتبضعون من هنا وهناك، بل أصبح كل من هب ودب يكتب حتى في غياب ثقافة تسعف في التعبير.

انتشرت المنتديات وتعددت، وكانت الفرصة كبيرة جدا للمتلقي العربي للتعرف على الموجة الجديدة من الكتابات الإبداعية الجديدة، والمتمثلة أساسا في  القصيدة النثرية القصيرة جدا، والتي تعتبر امتدادا وعودة لأدبيات الومضة، كما ظهرت القصة القصيرة جدا وترعرعت وأصبحت نمطا سرديا في طور التأسيس.

صحيح أن الشعر قد فقد مركزيته منذ سقوط بغداد في غزو المغول، وبظهور ثورة الحداثة ودعواتها التجديدية تعددت أنماط التعبير السردية خاصة بعد ظهور قصيدة النثر وما تحقق معها من الثورة على نظرية الأجناس نفسها.

تعددت المنابر الإبداعية بين المشرق والمغرب، وبدأت السجالات والمحاورات الإبداعية التي أغرت الكثيرين بالتنقل بين الشعر والسرد بمرونة لا تستند في كثير من الأحيان إلى خلفية فكرية بعناصرها المعرفية، والمنهجية والإيديولوجية، إلا أن اللافت يكمن أساسا في تخوف عدد كبير من المبدعين من التفاعل المباشر مع المتلقي والذي هو أحد الرهانات الكبرى التي تبنى عليها وسائل التواصل الاجتماعي، هل هو تخوف، أم ترفع، أم قناع يختفي خلفه الذين يؤمنون بأن الكبار لا يتواصلون مع الأجيال الجديدة، خاصة وأنهم قد يعتبرون الإبداع حكرا عليهم دون سواهم؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أنه داخل المنتديات نفسها مازالت هناك حواجز وموانع تحول دون تحقيق تواصل حقيقي، حتى أثناء السجالات كل واحد يخاطب نفسه ولا يتفاعل مع كتابات غيره، بل إن الجميع يراقبون بعضهم البعض في صمت وتجاهل وكأن كل واحد يخشى الإسهام في نجاح غيره. فتبين أننا ما زلنا نمارس عقدنا في تجاهل بعضنا البعض، فأضحى التجاهل نفسه صيغة من صيغ التواصل، حتى أصبح لزاما علينا دعوة أصدقائنا إلى المنتديات الجديدة التي ننتمي إليها ليتفاعلوا مع كتاباتنا. والحالة هذه وفي غياب تواصل جاد وبنَّاء نتعرف فيه على مبدعين آخرين من بلدان أخرى تسقط كل الأهداف الكبرى التي بها نضمن التواصل.
إن الكتابة عبر الفايسوك تتطلب من الجميع التفاعل الإيجابي الذي يضمن الإسهام في نشر فكر نيِّر، قادر على إنتاج كتابات جديدة وازنة في كل الأجناس التعبيرية وبأنماطها المتعددة.

مهما علت شهادة المبدع وتعددت ألقابه وأوسمته فإنه يفقد قيمته الإنسانية والمعرفية إن أصبحت شهاداته حاجزا يحول دون تحقيق التواصل. هنا تحضرني ثنائية المعرفة والثقافة، فالإنسان يحقق المعارف عبر حواسه المتعددة، ويقوم بوعيه الإرادي وغير الإرادي بتمريرها عبر مهاراته، وقدراته، وطاقاته وملكاته لتتكون لديه الثقافة، فالمعرفة كم والثقافة كيف؛ ومن ثم، فإن المعرفة التي لا تنتج ثقافة التواصل خزان جامد سرعان ما يتبخر مع الرياح العجاف..