خطاب المظلومية

337

مما لا شك فيه أن لكل فرد منا حياة خاصة.. أسرار ومونولوك شخصي مفعل كل يوم.. ففي كل ساعة وثانية تمر رسائل على اختلاف أشكالها.. سمعية، أو بصرية، أو حسية أو مرئية؛ وتقول بعض الدراسات إن عددها يتراوح ما بين 45000 و 60000 كلها – بلا استثناء – تترك في دواخلنا آثارا إما إيجابية نتفاعل معها بالإيجاب، أو سلبية والراجح في الأمر أننا ننحاز للسلبية لما يلعبه المجتمع من دور في إذكائها.

في دراسة تعود لسنة 1995 عن جامعة هارفارد قام بها الأخصائي في التخدير البروفيسور هنري نولز بيتشير وهو  صاحب أبحاث قيمة في مسألة “الدواء الوهمي Le placebo”  خلصت نتائجها أن 35% من الذين كانوا يشتكون من أوجاع تم علاجهم بقطع سكر أبيض على هيئة دواء.

لو أمعننا النظر في عمق الموضوع لوجدنا أنها مسألة نفسية بالأساس، ولها علاقة مباشرة بالرسائل التي بعثها المرضى للدماغ في هذه الحالة وهي رسائل كما أسلفنا الذكر مرتبطة بما هو حسي، فأخذ دواء باللون الأبيض يبعث الطمأنينة في نفس المريض، على نقيض اللون الأحمر، أو الإبر، أو الأشعة التي تجعل المريض على أهبة متلهفا لسماع كلام يطمئن.

من هنا ندرك أنها حكاية مخاض يومي بين المرء وأفكاره الإيجابية والسلبية، هي معركة إن شئنا أن نسميها كذلك، والقوي فينا هو من يهيئ الأرضية للأفكار الإيجابية لكي تنتصر.

قصص النجاح المتواترة كلها تشترك في نقطة أساسية، وهي القطيعة مع خطاب المظلومية، باعتباره الجامع للأفكار السلبية، ولو حاولنا إيجاز تعريف مقتضب له لقلنا إنه خطاب يحاكي في فحواه نظرية المؤامرة؛ حيث يتنصب الفرد لنفسه شرفة عالية ويتبرأ من جميع الظروف والملابسات التي أدت للحالة التي هو عليها، ويتهم أطرافا خفية وأحيانا قد تكون شخصية أو معنوية معلنة، فتجد الاتهامات تزاول هذه الجهة وتراوح أخرى؛

قد يكون ضحية نظام تعليمي لتبرير الفشل الدراسي، أو ضحية للهموم والمشاكل لتبرير تعاطي المخدرات، أو ضحية العين والحسد لتبرير الفشل المادي والمعنوي…فتكون النهاية أن يقتنع الفرد بحله وترحاله بأنه ضحية، ولن تجد هذه النظرية معيقات لتضرب أطنابها، فخطاب المظلومية يومي كشرب الماء، وهو حاضر في المجتمع المعاش وحتى في المجتمعات الافتراضية مثل فايسبوك.

لسنا ننفي وجود مشاكل ومعيقات خارجة عن إرادة الفرد، ولكن لنقل: إن هناك فرصة لتصحيح المسار، هناك فكرة إيجاببة تحوم حولنا وحولك عزيزي القارئ، حاول أن تقتنصها؛ قد تكون على هيأة دعاء. دعني هنا أسوق لك مثالا صنع مفارقة كبيرة وحضارة قل نظيرها، إنها قصة يونس -عليه السلام- حين كان في بطن الحوت؛ إذ دخل في صراع فكري أدرك في خضمه أن نصح القوم للخروج من الخرافة أبلغ من التغاضي عنها، دعني أذكرك عزيزي القارئ أن يونس رُمي في عرض البحر بسبب قوم صدقوا الخرافة وعملوا بها، خرافة تقول إن أحد الآلهة بعث بسخطه، وعلى متن السفينة شخص غير مرغوب به ولمعرفته والتخلص منه وجب القيام بقرعة ليقع الاختيار عليه.

أدرك عليه السلام العبرة وهو في بطن الحوت وختمها بثلاث: توحيد، ودعاء وتحمل للمسؤولية “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين” فكيف ستنهيها أنت؟

تذكر، هناك جلباب أسود اسمه “الضحية” بات الكل يرتديه.. فلا ترتديه! لعلك فعلت ذلك صباحا حين غفوت عشر دقائق إضافية وقلت: أخذني النعاس، أو لعلك صنعت ذلك حين تأخرت عن موعد الباص فقلت: الذنب ذنبه، أو لعلك لم تنتبه للغتك حين أغلقت أبواب الدراسة أو العمل فقلت: أقفلوها في وجهي متناس تماما أنك أتيت متأخرا بدقائق عن الموعد الأصلي. لا تكترث عزيزي القارئ نكاد نشترك جميعا فيما سلف ذكره، هي تنشئة لم تخضع لمراجعة منذ زمن بعيد فباتت تشغل حيزا  كبيرا في لاوعينا وفي لغتنا وتسللت كما يفعل بياض الفجر في الليالي الحالكات، ووجدت ميناء جيدا في أفعالنا فتناسقت وتناغمت.

هو جلباب ارتديته أنا وأنت كذلك لكن الوقت حان! حاول أن تخلعه، إنه لا يليق بك ودعني أقول لك من باب تعزيز هذا القول: إنك إذا فعلت مثلما يفعل الجميع ستجد نفسك في منافسة مع الجميع بحظوظ ضئيلة. ما الحل إذن؟ هل ستلبس الجلباب كما يفعل الجميع؟! تذكر إنه لا يليق بك.

بمجرد أن نعلن القطيعة مع خطاب المظلومية سيتلاشى في الأفق خطاب السياسي الذي يروج لنفسه ولحزبه على أنه ضحية مؤامرة دنيئة تستهدفه وتستهدف تنظيمه ومشروعه الإصلاحي.. بمجرد أن نعلن القطيعة مع خطاب المظلومية سينفض الأتباع من حوله وهم كثر، سيخلعون لباس الضحية الذي اتخدوه وظلوا يلوكون ألفاظه على مضض.

بمجرد أن تعلن أنت القطيعة مع هذا الخطاب سيتغير المونولوك اليومي لديك وسيُفعَّل عندك ميكانيزم يبحث دوما عن فرصة نجاح وسط كومة من الفشل، ميكانيزم يُحول العائق إلى تحدٍّ، ميكانيزم يحملك المسؤولية عن كل فعل قمت به ويقول لك: إنه تحصيل حاصل لما صنعت يداك فأحسن الصنيع تارة أخرى، بمجرد أن تعلن القطيعة ستمر بمحاداتك سخافات عديدة لكنك حصن منيع.
المشوار ليس بالسهل صدقني، لكنه يستحق …