المستقبل…ذاك المجهول الذي نخافه!

339

قبل سنة أو ربما أكثر بقليل، وجدت المسكينة نفسها تائهة وسط دوامة حزن، وحيدة هي بين الجموع، خيم الحزن على فؤادها وقبعت داخل غياهب الدجى والظلام الدامس، فقد حل الأسى مطرح بهجتها منذ أن أصيبت بذاك المرض اللعين “الخوف من المجهول”، عسعس عليها فأفقدها روحها البهيجة الطيبة…

لا بد أن تمر على كل امرئ منا لحظات يشعر فيها بارتعاب وذعر شديدين، لكن حين نستجمع جرأتنا لنقدم على سؤال أنفسنا والاستفسار عن السبب، تعجز المسكينة عن إبداء رد مناسب؛ لأن باعث هذا الخوف خيال محظ لا وجود له، أي أنه لم يحدث بعد، أو ربما لن يحدث أبدا، إنه ذاك الشعور بأن يتغلغل الحزن في أعماقك، ويلتهم فؤادك فتكسو العبرات خديك وأنت تتخيل بلاء قد يحل بك مستقبلا أو ربما لا يحل…

كأن تكون مستلقيا على أحد الأرائك التي تتوسط صالة بيت أسرتك الدافئ، الذي تصدح حيطانه بأصوات قهقهات أفراد عائلتك الصغيرة، اجتمعوا بعد يوم متعب طويل يتبادلون أطراف الحديث، وبينما كنت تشاطرهم الضحكة وجدت نفسك قد توقفت فجأة كما لو أن غيمة سوداء خيمت عليك، شيء قوي ردعك عن الاستمتاع، همسات خفيفة داعبت أذنيك وتوارت إلى مسامعك دونهم، مفادها: أن سعادتك الآنية زائلة، أترى هذا البيت الذي يعج بأصوات من تكن لهم حبا جما؟ سيمتلئ يوما ما بالعويل والبكاء لفقد أحدهم، وتلك التجاعيد التي خطها الزمان على جبين والدك، احفظها جيدا علها تكون آخر هنيهات تلمحها فيه، أما العبرات التي تسارعت على خدود شقيقتك الصغيرة من شدة البهجة والحبور، قد تذرف أضعافها غدا، لكن ربما لباعث مختلف…

حينها تطلق العنان لخيالك ليرسم طرقا شتى وسيناريوهات معدودة، مفاد جلها أن أشجانا عظيمة قد تحل في أي وقت، وعند هذه الخطوة تماما نجد صنفين من البشر، أولهم من سيتجاهل هاته الأفكار السوداوية ويحاول أن يزيحها عن فكره ليكمل قهقهاته من حيث توقف، بيد أن ذاك الصنف الثاني سيرفع راية الاستسلام عاليا معلنا هزيمته أمام خوفه من المجهول، فيسمح بذلك لهذه الأفكار السوداوية بأن تفسد عليه متعة اللحظة…!

أو كأن ترفض فتاة في ربيع شبابها جميع عروض الزواج التي قدمت لها على أطباق من ذهب من قبل شباب يملكون من الصفات ما يناسب قيمها ومبادئها؛ وذلك خوفا مما قد يقدم عليه زوجها بعد ثلاثين سنة من ارتباطهما، من خيانة للعهد أو خشية ما قد تعانيه من عقوق يتسم به أبناؤها الذين لم تضعهم بعد…

هذا الخوف اللعين ما هو إلا شعور عادي ينتاب جميعنا لوهلة، لكن أوجه الفرق تكمن في حذو الرد عليه، سواء بالردع، أو القبول والتثبيط ففي هذه الحالة الأخيرة التي يرضخ فيها الإنسان لمخاوفه ويسمح لها بتكبيله وإذاقته مرارة الحرمان، يتحول خوفه من المجهول بشكل تلقائي إلى جبن حتمي يحرمه الاستمتاع بالحياة بكربها وأحزانها مثلما نعشق الورود بأشواكها، فالدنيا ماكان لها قط أن تكون مثالية، لا شيء مثالي ولا شيء دائم، فظلام الليل الحالك يعقبه فجر منذر بشروق شمس دافئة، ونحن كأناس فانين ما علينا سوى الرضوخ للأمر الواقع والتأقلم مع تقلبات الحياة، فلو جلست وسط عائلتك الدافئة تذكر ملايينا يقشعرون بردا داخل المياتم، ذاك الكهل الذي غزى الشيب الأبيض شعر رأسه وسُطرت تجاربه غضونا تملأ محياه، دون أن يحس يوما بعطف الأبوين أو يجرب دفء الأسرة، لذا حاول أن تدرك ثمن اللحظة التي تعيشها متناسيا ماقد يحل بك غدا أو ربما بعد غد من مكروه..فخوفك هذا من المجهول شبيه بجرعة زائدة من عقار يذهب عقلك، يفقدك صوابك ويحرمك متعة اللحظة التي تعيشها، كالشبح هو، شبح يسرقك بعيدا عن عالمك الوردي الآني الذي قد يصبح أسودا فيما بعد، لكن من يهتم؟ إنها الحياة الدنيا يوم لك ويوم عليك فلا تفسد سعادة يومك وأنت تسرف التفكير في اليوم الذي عليك…

لا أقوى على إنكار أنني، يوما ما، كنت أنا الأخرى أشيد أفكاري ومعتقداتي على فلسفة مغايرة أدركت فيما بعد أنها خاطئة، فكلما صادفت شيئا يقذف البهجة بداخلي أجد نفسي أحكم القبض عليه داخل راحة كفي لأني لطالما توقعت هروبه ومغادرته يوما، كالغبية انتظرت المآسي بعد الفرحة، والهم بعد الفرج حتى أتى ذاك اليوم الذي قرأت فيه بضع كلمات بمكان ما، لا أستطيع تذكر مصدرها بقدر ما أتذكر وقعها على عقلي وقلبي اللذين تضاربا لدقائق معدودات كعادتهما، ثم اتفقا ربما لأول مرة على أمر ما ألا وهو تغيير فلسفتي، فحلت علي تلك الكلمات حلول كأس ماء بارد أيقظني من سباتي العميق، كلمات مفادها أن فلسفتي ليست سوى سوء ظن بالله عز وجل، وآخر شيء قد يفكر فيه العبد الذي يحب ربه حبا جزيلا هو سوء الظن به، لذا عندما أدركت حينها أني وبتفكيري هذا الذي يجعلني أترقب شرا بعد كل خير أسيء الظن ببارئي صعقت، حينها فقط قررت أن أتراجع عن هذا الهذيان، فمنحت بذلك لذة لدنياي التي كانت مريرة الطعم من قبل.

لا ريب أن الحياة أفراح وأحزان، أؤمن بهذا صدقا وأحمد الله على كليهما، لكن ترقب صفعات الحياة لي ببؤس بعدما تكون قد غمرتني بأمطار الخيرات الغزيرة، أمر لن أقدم عليه مطلقا ليقيني أنه سوء ظن بإله رحيم، فعند دراسة الأحاديث الصحيحة نجد أنه عز وجل يخاطب عباده قائلا: “أنا عند ظن عبدي بي”، فلا ضير في انتظار كل ما هو جميل، والظن بأن الله سيمطر عليك بنعمه وخيراته لتجده تعالى عند حسن ظنك به!