ماذا أعدت الجامعات لهذا الزمن من المتغيرات ؟

2٬334
من خمسينات القرن الماضي إلى بداية الألفية الثالثة، حينما كان يتخرج الطالب من كلية الطب طبيبا، ويفتح عيادته أو يعمل في مؤسسة صحية ما سواء كانت عمومية أو خاصة، فإنه يستطيع أن يعمل بدون أن يفكر كثيرا في المنافسة أو التأقلم السريع والمتابعة المستمرة للمستجدات العلمية؛ لأن العلم كان يتطور ببطء ولم تكن المعلومات متاحة كما هو الشأن اليوم. وكان من البديهي أن يكون لهذا الطبيب زبناء، وأنه سيحقق -لا محالة- نجاحا مهنيا وماديا كبيرين، حتى إن اقتصر على ما درسه في الكلية أو ما يناله من خبرة من تجربته المهنية اليومية.

غير أنه مع حلول العقد الثاني من الألفية، في ظل ثورة المعلومات، وسرعة انتقالها، ووفرة الأطباء، واختلاف تخصصاتهم واعتماد التكنولوجيا الحديثة التي تتطور بشكل رهيب كركيزة أساسية في التشخيص والعلاج، أصبح النجاح المهني أو التميز في ميدان الطب أكثر صعوبة، بل أظن أنه أصبح من الممتنع ابتداء من الآن أن يحقق المرء نجاحا في الطب، وهو يكتفي فقط بما درسه في الكلية في السابق.

سيحتاج الطالب والطبيب اليوم إلى مهارة التأقلم السريع مع متغيرات هذه المهنة والاطلاع المسبق على المستجدات العلمية بشكل دائم. التقدم السريع الذي يعرفه الطب الآن يجعل النجاح مرتبطا ارتباطا وجوديا بالتأقلم. للأسف، هذا لا يقال لطلبتنا في مدرجات الكليات التي تعاني أصلا من أزمة المناهج، ويزيد الطين بِلَّةً حين يقترن كذلك بأزمة البطء في استيعاب ومواكبة مستجدات العلم في الميدان الطبي، واستبدال ذلك بالحفظ ونقل معلومات تتقادم مع الزمن وبطريقة أكاديمية مملة من حواسيب الأساتذة إلى باحات الذاكرة في أدمغة الطلبة.

كل نوع من المعلومات متوفر اليوم وبسهولة على شبكة الأنترنت، يكفي أن تحدد المجال الذي تريد أن تبحر فيه وتتخصص فيه. في مجال الطب مثلا، كل الدروس في كل التخصصات ولأساتذة معروفين ومرموقين على الصعيد العالمي متوفرة للعموم، بل تبث الكثير من الجامعات والمعاهد العالمية الكثير من الدروس على المباشر لمن أراد أن يستفيد منها، ويسجل الأساتذة دروسهم على مواقعهم الخاصة ومواقع جامعاتهم، وهناك من المقالات، والدروس، والشروحات والتوضيحات بالفيديوهات والخشيبات في أي تخصص طبي تريده إن كان لديك الفضول الكافي لنيل هذا الكم الهائل من المعرفة.

فما هو دور الكلية إذن إن كانت كل الدروس متوفرة الآن وبجودة عالية شكلا ومضمونًا تعطى على طبق من ذهب من طرف أكبر العلماء؟
أظن أنه يجب على من يشرف على الكليات والمعاهد أن يعيدوا النظر في أهداف هذه المؤسسات قبل أن تصبح عبارة عن متاحف علمية، يأتي إليها الطالب لكي يحصل على علم من الدرجة الثانية أو في بعض الأحيان من الدرجة الثالثة وبلغة فرنسية لم تعد تستطيع أن تساير تطور العلم.
 
هل الهدف هو قضاء سنوات من الحفظ الحرفي لدروس تثير الغثيان من أجل نيل المعدل والمرور للسنة المقبلة للحصول على ديبلوم في آخر المشوار الدراسي؟ أم أن الهدف من هذا الديبلوم هو ضمان عمل معين في مؤسسة معينة لضمان مدخول معين لا يستعمل فيه الطبيب ولو ٥٪؜ مما درسه طوال سنوات دراسته.
أظن أن دور الكليات في الوقت الراهن هو التركيز على أشياء أخرى غير تلقين/حفظ دروس أكل عليها الدهر وشرب، وإعطاء ديبلومات تصلح بيروقراطيا للولوج لأعمال معينة.
في البلدان التي تعير اهتماما لنشر العلوم لأنها تحيا بهذه العلوم وتتطور بها وتحكم العالم بها، هناك طريقة بسيطة لنشر المعرفة في الأوساط الطبية الاستشفائية:
.‏See one, Do one, Teach one
شاهد مرة، افعل مرة، لقن مرة.
يعني أن طالب الطب سواء كان مبتدئا أو خارجيا، أو الطبيب سواء كان داخليا أو مقيما، أو الأستاذ سواء كان مساعدا أو مبرزا بعدما يقوم برؤية فحص أو تقنية أو مهارة طبية أو عملية جراحية، فإنه يجب أن يقوم بها تحت أنظار من علمها إياه ثم يقوم بتلقينها لمن هو أقل منه في السلم المعرفي…؛ لأنه سيشاهدها بنية أنه سيفعلها وسيلقنها لكي يتقنها أكثر ويكون قد حقق ذاته المهنية بالتعلم السريع، وضميره الإنساني بمشاركة ما يعرف.
في البلدان الأخرى هناك طريقة أخرى:
‏See a lot, Do the easiest, teach nothing
شاهد الكثير، افعل الأسهل، لا تلقن أي شيء.
يعني أن الكل يشاهد ما يفعله من يظنون بأنهم جهابذة العلم، ولأن المنظومة العلمية غير مبنية على مبدأ المشاركة ونشر المعرفة فإنهم لا يستطيعون فعل ما يفعله الجهابذة؛ لأن الجهابذة لا يقومون بتمرير الكرة العلمية بسهولة، فيضطر الطلبة والأطباء إلى النظر إليهم مرارا وتكرارا، ويقومون عندما يموت الجهابذة أو يرحلون بعمل أقل جودة مما كانوا يفعلون، وهذه القلة القليلة من العلم لا يتم مشاركتها لأنهم تلقنوها بصعوبة ومرارة وجهد جهيد.
 
إن التركيز اليوم في جامعاتنا يجب أن ينكب على أساليب جديدة في التعليم؛ ليكون الخريج أكثر فعالية وإبداعا وذو قيمة مضافة في عمله ولوطنه. العالم اليوم يتجه نحو التعلم بالممارسة و”المونتورينغ”، والتركيز على الفهم والتحليل، وتطوير مهارات التواصل والإبداع والقيادة، وسرعة إيجاد حلول لأكبر عدد ممكن من الحالات التي قد تواجهه في عمله، وكيفية التعامل مع المشاكل المستعصية، وكيفية التأقلم مع المستجدات العلمية وسرعة توظيفها وتقبل مراجعة ونقد ما تمت دراسته في القدم…

تضع الجامعات والمعاهد المرموقة الطالب في سن مبكّر أمام مسؤوليات عديدة يصقل فيها مواهبه؛ لكي يميزوا سريعا بين البروفايلات التي تتجه نحو البحث العلمي من البروفايلات التي تريد تطوير تقنية معينة، ممن تظهر عليه علامات القيادة لتولي مناصب مسؤولية ممن يرى نفسه قادرًا على خوض المجال الأكاديمي.

أرى، بل رأيت الكثير من الأذكياء والعباقرة والمبدعين الذين يضيعون في منظومة تعتمد على نظرية “من التكرار يتعلم الحمار” والحفظ الحرفي لدروس طويلة، تسعة أعشارها سينسى بعد فترة قصيرة!
في الكلية/الجامعة مثل البيت، يتعلم الطالب كذلك مفاهيم أخرى تركز عليها العديد من المعاهد المرموقة كمفهوم المواطنة، والتسامح، واحترام الرأي والرأي الآخر واحترام حرية الناس في اختياراتهم الشخصية، وفيها كذلك ترسخ هوية البلد ورؤيتها المستقبلية، فنجد رؤساء الدول السابقين، وفنانيهم، ومثقفيهم وعلماءهم يجولون في المعاهد والكليات الأمريكية والكندية والبريطانية والأوروبية للحفاظ على ما تسير عليه هذه الدول من رؤى علمية تقدمية ناتجة للعلم…

الكلية لا تعطي دروسا جاهزة للحفظ (فهي متوفرة في كل مكان) أو ديبلومات كارطونية، بل تحول بشرا دخلوا إليها تائهين في مرحلة ما من مراهقتهم إلى بالغين يعول عليهم الوطن والمواطنون.

سافرت مؤخرا إلى برشلونة لحضور فعاليات مؤتمر apdcongresso؛ وهو لقاء المدراء التنفيذيين الأوروبيين ومدراء الشركات الأوروبية في مختلف المجالات، وكان الموضوع هو أن العالم سيعرف تغيرات جذرية خلال السنوات المقبلة…ما نتعلمه اليوم في كليات الطب وما نشتغل به اليوم في المصحات والمستشفيات ربما لن يكون ذَا نفع خلال العشر أو العشرين سنة المقبلة…التطور السريع الذي يعرفه الذكاء الاصطناعي و”إنترنت الأشياء” أي كافة الأجهزة والأشياء المتصلة بالإنترنت والقادرة على استقبال وإرسال البيانات بشكل مستقل دون أي توجيه من قبل الإنسان، والاعتماد على خوارزميات البيانات الضخمة سيقلب الأمور رأسا على عقب…الآلة الذكية – التي تحتوي على كل المعلومات الطبية – يمكنها الآن أن تحلل أعراض المريض وتفاصيله البدنية وسيمكنها في المستقبل من تحليل جيناته لكي تشخص له بدقة المرض الذي ألم به والمرض الذي قد يصاب به – من خلال جيناته – وتعطيه العلاج…فماذا سيصبح دور طبيب المستقبل وكيف سيتعامل مع ما أصبح يسمى الثورة الرابعة؟
عرف الحدث حضورا مكثفا لكل من يترأس شركة أو مستشفى أو مصحة، وعرف خشوعا منقطع النظير عّم القاعة خلال كل المحاضرات…في حين أن المشكل غير مطروح عندنا للنقاش أصلا؛ لأننا ما زلنا في مرحلة إقناع المريض بالذهاب إلى الطبيب، ومعالجته في جو يحفظ كرامته، في مستشفيات لا تتوفر ولو على أبسط الآلات غير الذكية المعلومة من الطب بالضرورة.

 

ذات مرة، ذهبت إلى كندا قصد الحصول على المعادلة لإحدى الشواهد، وقصدتُ المستشفى العام بتورنتو، وأعربْتُ لهم عن غايتي، وهي أنني أنوي القيام بتدريب حول مراقبة العمليات الجراحية، وكان طبيعيا أن أُسأل عن أية جراحة بالضبط؟ وكان جوابي: جراحة البطن، ثم كان السؤال: عن أي عملية بالضبط في جراحة البطن؟ وبدؤوا في تعداد أنواع من جراحة البطن، ووقع اختياري على جراحة التنظير البطني، وكنتُ حسبتُه التخصص الدقيق الأخير في جراحة البطن، لكنهم استمروا في تعداد تخصصات أخرى دقيقة داخله، وهنا كانت دهشتي كبيرة، اكتشفت أن البون بيننا وبينهم أصبح بمسافات ضوئية؛ إذ كلما حددت تخصصا بعينه وظننت أنه الأخير، إلا وأخبروني أنه يضم تخصصات أخرى دقيقة، وأن علي أن أحدد واحدا منها مرة أخرى. ثم لامست ما لامسته هناك من أطباء المستشفى، من المهنية والاحتراف، والتفاني في العمل، مما لم أكن لأصدق بوجوده، لولا أنني شاهدته بأم عيني.

كان الدرس الذي استفدته من هذه التجربة أنه لا خيار لنا أمام هذه التطورات الهائلة في ميدان العلم إلا المواكبة والاطلاع الدائم على المستجدات، وإدراك أن ما ندرسه في كلياتنا قد تجاوزه الناس بمسافات طويلة. وعلم الطب ليس بدعا في هذه الخاصية، بل إنها تكاد تكون طابعا عاما في المهن كلها في العصر الحديث.