سأعيش عادية

1٬491
منذ زمن غير بعيد، قررت أن أعيش بدون حلم، قررت أن أعيش حياة عادية، أن أعيش حياتي كما أتيحت لي، بحلوها ومرها، بمغامراتها ومللها، بفرصها الذهبية أحيانا وظروفها المستعصية أحيانا أخرى. اخترت أن أتقبل ما تمنحني إياه هذه الحياة وأتعامل معه بكل مرونة، ألتقط رسائلها، أطور من نفسي وأقومها، أعدل مساري وفق ما تقتضيه الأحوال.

أخبرنا خبراء التنمية البشرية، وكبار الناجحين، أنه لا بد لنا من حلم نحيا من أجل تحقيقه، حلم نضعه نصب أعيننا ونسعى إليه دون كلل أو ملل، فمن يعيش بدون حلم يسعى إلى تحقيقه في هذه الحياة هو إنسان عادي، سيعيش عاديا ويموت عاديا، ولن يذكره أحد بعد موته… كان لا بد أن أضع حلما حتى لا أكون عادية، أضع حلما و”أقنع” نفسي به حتى لا أحشر في خانة العاديين، وبمجرد ما يتبدد الحلم لسبب من الأسباب، أسارع لإيجاد حلم آخر، بكل ما قد يشكله الأمر من ضغط نفسي، وضيق من حالة “العادية” التي قد أعيشها في فترة من الزمن، وتوجس من وجودي في وسط القطيع.
ذلك السؤال الذي طالما أزعجني، والذي يتعمد البعض طرحه في التجمعات بغية تقييم الحضور، ما حلمك أو هدفك في الحياة؟ لم تكن الإجابات من قبيل “أن أعيش في رضا الله” أو “أن أحيا في سلام واطمئنان” أو “أن أتخلق بخلق حسن” أو “أن أشتغل وأكسب رزقا حلالا” لتشفي غليل السائل، فهو يبحث عن أحلام استثنائية تميزك عن غيرك من العوام. هل الحياة “العادية” المتمثلة في كسب الرزق الحلال، وتربية الأبناء، وصلة الأقارب وكف الأذى عن الناس، وبر الوالدين، والاخلاص لمن حولك، بخسة فعلا لهذه الدرجة؟ هل حقا يجب أن يكون لكل منا مسار استثنائي يتفوق به عن غيره؟
في كتابه “فن اللامبالاة”، يعتبر مارك مانسون أن الفكرة القائمة على استثنائية كل فرد منا تحمل تناقضا ذاتيا كفيلا بهدمها، فإذا كان كل شخص استثنائيا، فلا أحد استثنائي بالتعريف. كما ينبه إلى كون الفكرة تلاعبا بالأنا لديك، بل قد تجعلك تفضل أن تكون في النهاية السفلى للمنحنى البياني بدل أن تكون في وسطه، فذلك يجعلك “استثنائيا” في نهاية المطاف.
مقالات مرتبطة
إن ذلك الضغط النفسي الذي يدفعك لتكون شخصا مميزا قد يجعلك تقع في الفخ، فتبحث عن التميز والاستثناء ولو كان سلبيا، من قبيل خوض مغامرات خطيرة أو العيش وفق نمط غير مألوف في المجتمع، أو التميز من خلال الشكل الخارجي…كما أن ذلك الاحساس بالدونية الذي قد تتجرعه جراء حياتك التي قد توصف بالعادية، والتي ليست لها معنى بمقاييس الناجحين والمؤثرين، قد يدخلك في دوامة الحزن والاكتئاب، فيصعب الخروج منها.
هناك أناس عاشوا عاديين بمقاييس النجاح والاستثناء، فربوا أبناءهم خير تربية، وبروا بوالديهم وعالوهم عند كبرهم، وأصلحوا بين الناس عند الخصام، وساعدوا المحتاجين قدر المستطاع، لم يخترعوا آلة ولم يكتشفوا دواء ولم يحققوا شهرة، ولكنهم عاشوا في الخير وبالخير وللخير، حياة رغم بساطتها الظاهرة، تحمل معان قد يتعذر توفرها لدى الحالمين المميزين.
هي ليست دعوة للتخلي عن حلم من لديه حلم يؤمن به حقا ويسعى إلى تحقيقه ويتميز به، ولكنها دعوة لتقبل حياتك “العادية”، بل والافتخار بها، ولا تنس قول رسول الله الكريم: ((لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ.))