خواطر عن الحب

367
الحب…إنه ذلك الشعور الجميل الذي يجعل الابتسامة تعلو وجهك دون قيود، تجعل قلبك ينبض نبضات سريعة دون سابق إنذار، إحساس ممزوج بالفرح والحزن، بالأمل واليأس، بالخوف والأمان…ولكن سرعان ما يستقر القلب على حالة واحدة جميلة تجمع ما بين السعادة والسكينة والتفاؤل.
 
الحب أحوال ومواقف، قول وعمل، إحساس وسلوك؛ إذ يرتكز تفكيرك وشعورك وقلبك وعقلك وكيانك كله حول شخص واحد، أو شيء واحد أو جمال واحد.

الحب ليس امتلاكا أو أنانية أو تسلطا، بل هو تشارك وتعاون وعطاء، الحب تضحية واستمرارية ونقاء.
لا بد أن نفهم الحب ونعرف شروطه كي نمارسه ممارسة سليمة، فيكون كالشجرة الطيبة التي تثمر مودة وصفاء كل حين، ويزداد نضجها وجمالها 
مع مرور الأيام. 
يقول الدكتور راتب النابلسي عن الحب: “الحب..هذه الكلمة الساحرة ذات الظلال الرقيقة في النفس الإنسانية، يعكس الإسلام لها فهماً خاصاً، الإسلام يعترف بعاطفة الحب على أنها واحدة من أهم الدوافع الإنسانية والمحركات الفعالة في السلوك الفردي والجماعي.” ويضيف: “الحب ثلث الإنسان، الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك.”
وفي رؤية نفسية عن الحب يقول الدكتور طارق الحبيب: “الإشكالية في الحب أننا نتعامل معه كمشاعر فقط، لكن للحب مكونات وشروطا، وعندما يخفق قلب الشاب إلى شخص، يجب أن يُقيِّم هذا الشخص الذي يحب، لكن الحب يلغي التقييم.”
وأضاف بأن الحب نوعان:
-الحب الرومانسي: يتعلق بالمظهر والشكل دون الجوهر.
-الحب الناضج: يرتكز على التفكير، والقيم والتعامل ومختلف المواقف، وهذا هو الحب الذي يستمر وينمو.
سنعيش بعض المواقف الراقية في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حتى نتعلم كيف نحب، ويتعلم كل طرف كيف يرقى بنفسه، حتى تصبح نفسا واحدة أساسها العطاء والسكينة والتعاون:
 
الحب توجيه نحو الخير والصلاح:
في حديثٍ صحيحٍ رواه الإمام البخاري في باب التواضع، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ…))
 
الحب تضحية وعطاء:
يقول سيدنا أبو بكر: “كنا في الهجرة وأنا عطشان جدا، فجئت بمذقة لبن فناولتها للرسول صلى الله عليه وسلم، وقلت له: اشرب يا رسول الله، يقول أبو بكر: فشرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتويت”.
 
الحب ثبات وتقدير:
كلمات رائعة للسيدة خديجة رضي الله عنها وهي تثبت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما نزل عليه الوحي في غار حراء: ((كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)).
 
الحب رزق:
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعدل في القسم بين نسائه، وكان يقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك)).
وقوله صلى الله عليه وسلم عن خديجة: ((إني رزقت حُبها)) رواه مسلم.
 
الحب عدل:
كم كانت مكانة فاطمة رضي الله عنها كبيرة في قلب الرسول الكريم، ومع هذا الحب كله يبقى العدل أعلى وأعظم. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).
 
أرقى أنواع الحب حينما تتجرد من كل ما هو مادي، وتسمو بروحك نحو الكمال والجمال فتنادي بقلب كله يقين:
فـلـيتك تحلو والحياة مـريرة *** وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر*** وبيني وبـيـن العـالمين خراب
 
الحب مدرسة لا ينجح فيها إلا الناضجون، الذين عرفوا معنى الحب وشروطه، وربطوه بقيم عالية، ومعاملات راقية، تنمو وتتطور وتسمو مع مرور الأيام لتؤسس السكينة والمودة والرحمة في قلوب كل أطرافه.