معنى الحرب

203

لا أملك ولو فكرة صغيرة عن الحرب، ولأن القدر حال دون أن نعيشها -لحسن الحظ- فإننا نكتفي فقط بالقصص والروايات، لكنها تبدو قاسية كما يصورها الأدب بالرغم من عدم قدرته على وصف المشهد بألمه والدراما الكبيرة الكامنة داخله. من تلك الحروف تدرك بأنك تملك فرصة الحياة.. بكل صفاتها ومميزاتها الحزينة والمفرحة، إنك على الأقل تملك الحرية في أشياء لم تكن لآخرين سبقوك أو يتشاركون وإياك نفس الزمن.

في مكان آخر بعيد عنك ومختلف جدا، أناس قُدِّر لهم أن يتذوقوا مرارة الحرب والبؤس العظيمين..مجرد هذا الإحساس تجاه الإنسان يجعلك تشعر بالخزي لأن إنسانا مثلك يملك نفس الأحلام التي تملكها وله رغبة في المستقبل كما ترغب أنت، محاصر بيد بشرية أخرى عنيفة وقاسية ولا تعرف عن الرحمة شيئا.

أنت تفكر في تسديد ديون مدرستك أو مصاريف شهرك المقبل، وذلك الغريب يفكر في إيجاد مدرسة بجدران واقفة وغير مكسورة وسماء خالية من الطائرات القاتلة والرصاص.
أنت تفكر في قضاء عطلتك في مدينة جميلة قريبة من البحر، وذلك الإنسان البعيد لا يجسر على تحريك أنفه صوب نافذة ليستنشق بعض الهواء.
أنت تبكي لأجل حبيبك أو صديقك الذي تخلى عنك حيا، وذلك المسكين يحبس الدمع من أجل عائلته التي ماتت مرة واحدة في غارة بشعة واختفوا تحت أنقاض وركام البنايات المهدمة، لا مقهى ولا مسجد وسط الأنقاض، لا طير يحط في شارعه ليتغزل بجمال الطبيعة كما تفعل، لا مواء قطة ولا عجوز يثرثر، لا ملامح حقيقية غير الموت.. ذاك الذي قال عنه محمود درويش في كتابه ذاكرة النسيان: “لا أريد أن أموت مشوها بين الأنقاض، أتمنى أن أقصف على حين غفلة…في الشارع أتفحم، فلا يعثر دود الراية إياه على وظيفته الخالدة في، إذ ليس من عادة الدود أن يأكل الفحم.”

مقالات مرتبطة

للحرب مكان قاحل حيث لا خيار غير الموت تحت الأنقاض أو الموت في الشارع ماشيا، وبين كل هذا الكم الهائل من العنف والألم تجده يؤمن بقدر ويؤمن بالتغيير ويؤمن بالصبر والأمل، يؤمن بأن هذا الظلم في حق إنسانيته لن يدوم أبدا، يهرع تارة نحو القصيدة وتارة نحو الموسيقى لأنه مازال واثقا في قدرة الفن على فعل كل شيء، مازال يملك روحا صامدة في جسده المتهالك.

ومن الراديو يُسمع صوت فيروز صادحا: “بحبك يا لبنان”.. من إذاعتين متحاربتين.
قلت :ألا تحبين هذه الأغنية؟
قالت: أحبها وأنت؟
قلت: أحبها كثيرا، وتوجعني.
الآن مجرد نظرة من فوق كافية بأن تنفض الغبار عن كل فكرة راكدة تدعو إلى الكآبة وتدعو إلى الحزن، إلى كل فكرة تمنح الدنيا قيمة أكبر من أنها شيء عابر ولحظي لا وزن له بيننا، مجرد اختلاف صغير في الإحداثيات وربما في الزمن حينا كفيل بأن يخلق درسا جديدا مختلفا، بإمكانه أن يكون عبرة أو حكمة أو باستطاعته أن يكون موضوع كتاب مليء بالمقارنات والحكايا التي لا يمكن لعقل لم يعشها أن يتخيل كمية الألم العالقة بداخلها.. نعم.. لا يمكن أن يجد لها الإنسان كلمات حقيقية تصفها، لذلك فهي شيء آخر مهما قلنا، إن الألم هكذا عبثي الانتشار في إيجاد ضحاياه واختياره للأماكن التي يقطنها.. وفي أحيان كثيرة قد لا يملك معاييرا محددة مما يجعله أشد قساوة، لكنه لايستوطن النفوس الضعيفة أبدا..

وتظل حرب الموت أشد وطأة من حروب تمنح متسعا للاختيار وللتفكير، تهبك وقتا لتكون شخصا آخر مختلفا، فحرب الموت والقنابل والصواريخ لا تخمدها أبدا الحبوب المُسكِّنة.