البقاء ليس للأقوى

2٬336

لعل من أشهر الأفلام التي تناولت الطرقَ التقليدية في التعليم بالنقد اللاذع، الفيلم الهندي الشهير: البُلهاء الثلاثة من بطولة عامر خان وكارينا كابور، وإخراج راجكومار هيراني. ومن أكثر مشاهد الفيلم الدالة مشهدُ إلقاء العميد لخطابه الأول في الطلبة الجدد، الملتحقين حديثا بكلية الهندسة ووصفهم بالمحظوظين، كونهم تفوقوا على كثير من زملائهم، الذين لم يحالفهم الحظ للالتحاق بها. وكان من جملة كلامه لهم: “تذكروا أن الحياة عبارة عن سباق، إن لم تكونوا سريعين سيتجاوزكم الآخرون.”

ورغم أن فكرة المنافسة قد تكون محل نقاش كبير لدى بعض الناس، مِـمّن يتخذون البساطةَ في العيش نِحْلةً لهم ومذهبا، إلا أنها تغدو صحيحة جدا إذا تعلق الأمر بميدان العلم والمعرفة. فالذي لا يواكب مستجدات العلم والمعرفة سيتجاوزه القطار لا محالة؛ إذ لا مندوحة عن الاطلاع المستمر والمتواصل على كل ما يستجد في ميادين العلم والمعرفة، وذلك لا يحصُل إلا بالقراءة المنتظمة بالقدر الكافي.
من ينجح في الأخير اليوم، هو الذي يملك القدرة على التأقلم السريع مع المستجدات التكنولوجية والعلمية، وهذا التأقلم يستوجب أن يكون للمرء درجة كبيرة من المرونة وقابلية كبيرة للتكيف وإعادة تحديث معارفه باستمرار. وهذا يشبه ما عبر عنه تشارلز داروين حين قال: “البقاء ليس للأقوى أو الأكثر ذكاء من الأجناس، لكنه للأكثر تجاوبا وتكيفا مع التغيير.”

ربما لو عدنا إلى الوراء قليلا، لوجدنا أن التأقلم في السبعينات مثلا كان اختيارا، لا يطرح مشاكل كبيرة؛ يعني أنه لم يكن بالصعوبة التي نشهدها اليوم أن تنجح ماديا حتى ولو لم تتأقلم. ويجب التنبيه، هنا، إلى أننا اليوم حينما نتحدث عن النجاح مع الأسف، فإننا نربطه بالنجاح المالي والمادي بالأساس حتى حين لا نصرح بذلك فإنه يفهم ضمنيا من الكلام؛ لأننا استوردنا مفهوم النجاح هذا من النموذج الرأسمالي الغربي المادي الصرف. ولعل من أهم الكتب الذي عالجت طابع السرعة الذي تتميز به الحياة في إطار الحداثة كتاب: هومو ديوس: موجز تاريخ الغد لمؤلفه يوفال نوح هراري؛ إذ يذهب هراري في هذا الكتاب إلى أن الإنسان المستقبلي سيواجه مشكلة كبيرة، تتمثل في عدم الاستقرار المهني؛ حيث سيضطر الشخص الواحد إلى تغيير مهنته مرات عديدة في حياته؛ لأن التغيرات والتطورات التي تشهدها المهن بفعل التقدم التكنولوجي، خاصة مع دخول الروبوات إلى سوق الشغل، تجعل من هذا التغيير المهني أمرا ضروريا؛ حيث ستختفي بعض المهن، وتتعرض أخرى لتغيرات جذرية، مما يضع المرء أمام ضرورة البحث عن مورد رزق جديد.
يقول هراري في هذا الصدد:”تم تقسيم الحياة تقليديا إلى قسمين رئيسين: فترة تعلم تليها فترة من العمل. في المستقبل القريب، سيصبح هذا النموذج في خبر كان وسيبقى للإنسان طريقة وحيدة للبقاء في اللعبة: التعلم طوال حياته وإعادة اختراع نفسه بشكل متكرر ومستمر.”

إن تحقيق هذه المواكبة وهذا التأقلم ليس له إلا سبيل واحد، وهو القراءة الجادة والموجَّهة، وذلك بعد التخلص من الشيطان الأكبر الذي تحدث عنه نابليون هيل في كتابه “موعد مع الشيطان: Outwitting the devil”، ألا وهو الكسل، هذا العدو اللذوذ الذي أصبح سلطانه على الناس يتعاظم يوما بعد يوم، حتى جعل البعض منهم يعتقد أن بإمكانه القيام بثورة ثقافية وفكرية وسياسية، فقط من خلال توزيع الإعجابات على الفيسبوك؛ ذلك الصنف من الناس الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا استجد أمر يستدعي منهم وقفة حقيقية، أو الإسهام في الدفاع عن قضية شائكة، لم تجدْ لهم أثرا، ولم تسمعْ لهم ركزا، وهذا الصنيع منهم مشمول بالـمَـثَل المضروب في قوله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد:17]

إن فعل القراءة لا تقتصر أهميته في تمكينه القارئ على المواكبة، ومعرفة أين يسير قطار الإنسانية، من خلال الاطلاع على مستجدات العلوم، وإنما، أيضا، في كونه شرط صحة في أي عمل إصلاحي؛ فلو أردنا على سبيل المثال تغيير الوضع في المغرب، فأول شيء ينبغي أن نحدده هو: أن نغيره من ماذا إلى ماذا؟ ويجب أن نعرف من نحن؟ وأين موقعنا من العالم؟ وهذا كله لا يتحقق إلا بالقراءة.

قبل سنوات، كنتُ حضرتُ محاضرة للدكتور المهدي المنجرة -رحمه الله- شكَّلتْ، بالنسبة إلي، صدمةً ثقافية؛ حيث اكتشفت فيها لأول مرة حقائق كثيرة، أيقطتني من سباتي الذي كنت أنعَمُ به، إلى شقاء الوعي بالواقع، ومنذ حينها وأنا أحاول أن أحرص على القراءة، كوسيلة للوعي بمحيطي وبحقيقة وضع وطني. والوعي بالواقع خطوة أولى للانخراط في إصلاحه وتغييره.
إذا كانت القراءة بهذه الأهمية كلها، وهي كذلك بلا شك، فإنه مما يدعو، للأسف، أنْ ليس هناك مشروع، رسمي أو غير رسمي، يجعل التحسيس بأهميتها هدفا له ورسالةً، بل يكاد المرء يجزم أن الأمر بخلاف؛ يتم تدبير كل شيء وتوجيهه لمنع الناس من الإقبال على القراءة، يتجلى ذلك من خلال عملية تحطيم المعايير، وتقزيم القامات، وتغييب الكفاءات، وعوضا عن ذلك إلهاء الناس بالإمّعات وسفاسف الأمور. وفي ظل الدولة الحديثة المتوغلة، والتي تُحكم قبضتها على كل المجالات، فإن التحكم في العقليات التي من شأنها أن تفكر في أي تغيير يصبح أمرا في غاية السهولة، وهو ما يجعل المتحكمين في غير حاجة إلى أي فعل مادي؛ لأن العقل الذي هو مناط التكليف، ومناط التغيير أيضا، يتم التحكم فيه وتنميطه بشكل مرِنٍ، في المدرسة من خلال المقررات الدراسية، وفي الإعلام من خلال المحتوى الهابط والشخصيات التي يتم تسليط الضوء عليها.
طبعا، لا نستطيع أن نتجاهل أن هناك شبابا وفئات تجعلنا نتفاءل بمستقبل هذا الوطن، ونحتفظ بالأمل في أن تتحسن الأوضاع والأحوال مستقبلا، مع وجوب العمل على إبصار الناس بطبيعة الحياة المعاصرة، وضرورة الانخراط والمتابعة الدائمة لما يستجد في ميادين العلم والمعرفة، والاستفادة منها بأعلى قدر ممكن.