سبع سنين عجاف!

747

يحدث أن تقاطع كل ما يتعلق بالأخبار والسياسة وكل ما يمُت بصلة للثورة المصرية تحديدا، تقطع عهدا على نفسك أنك لن تتابع ما يجري في مصر مرة أخرى لأن الأمر أقسى من أن تتحمله، لكن يأتي وثائقي “في سبع سنين” ليكسر المقاطعة.

لا أذكر الكثير عن ثورة 25 يناير، لا أذكر كيف بدأت ولا السبب الرئيسي ولم أشاهد المظاهرات الأولى عكس أغلب أقراني، لم أكن أشاهد التلفاز ساعتها وكنت منقطعة عن الانترنت تماما، إلا من بضع محاولات للاتصال بالشبكة العنكبوتية للضرورة القصوى.

كل ما أذكره أن هناك شيئا وقع في مصر التي ظلت منارتنا لسنين، فوجئت كغيري بمظهر الناس المتجمهرة في ميدان التحرير وبشعاراتهم وأعدادهم الغفيرة التي لم يسبق لنا أن رأينا لها مثيلا، لم نكن قد شاهدنا عددا كذاك يجتمع ويتفق على شعار واحد ووحيد “الشعب يريد إسقاط النظام”، شعار بقدر ما يبدو بسيطا في تركيبه بقدر ما يحمل عمقا في معناه، النظام الذي ظن الجميع أنه سقط…لم يسقط.

لكني أذكر جيدا أحداثا أخرى تلت 25 يناير، عندما أصبحت قلوبنا وعقولنا مُعلقة بمصر، شخصيا لم أكن أعرف هل علي أن أنغمس كما الغالبية في الأحداث وأن تأخذني الحماسة، أم أتعامل بحذر مع ما يجري وأنتظر ما ستسفر عنه الأيام، كان مذهبي يقتضي التأني دائما، لكن هذا لم يمنع أننا جميعنا كجيل كانت مصر هي مرجعه في كل الأشياء، لم يمنع أن يجعلنا متعلقين بحلم الشعب المصري وأن نرى أنه أخيرا سينال ما يصبو إليه.

كان الحلم قريبا جدا من التجسد، لكنه استعصى في آخر اللحظات، ما تلى 25 يناير كان صادما جدا، لا شيء كان يمشي كما يجب، انقسامات وانشقاقات واختلافات ومؤامرات تُحاك ومبادىء تبدل، لم يعد أحد يعرف ما يجري هناك، حتى صرنا نقول “أهل مصر أدرى بشعابها”، لم نعد نعرف إلى أين تتجه مصر وكنا نعتقد أن المصريين أفضل حالا منا، فهم أصحاب الثورة وسوف يحمونها ولن يرضوا بالعودة إلى ما كان في غابر الزمان.

لكن توقعاتنا جميعنا ضُربت عرض الحائط، فالذي حدث أن لا أحد فهم ماذا حصل ولا كيف ولا لماذا؟ تسارعت الأحداث وانقلبت السلط وأصبح المرؤوس رئيسا والحاكم محكوما وبينهم شباب مصر تائها لا يعرف إلى أين يتجه ولا بمن سيثق.

تلك الصدمة كانت صدمتنا جميعا، لكنها بلا شك كانت صدمة الشباب المصري الذي آمن وشارك في الثورة بالدرجة الأولى، كانت فجيعتهم الكبرى، موت وتصفية الأقارب، اعتقالات، تراجعات، انقلابات، سقوط القدوات تباعا، انسحاب وتخندق في فيلق النظام واستسلام وهزيمة مدوية على جميع الأصعدة.

لكننا لم نر إلا جزءا يسيرا، شاهدنا كل شيء كأنه فيلم رعب سينتهي، لكن الأمر لشباب مصر وكما بينه وثائقي “في سبع سنين” لم يكن كذلك.

لقد كانت هذه مواجهتهم الأولى مع الحياة وقساوتها، لقد كانت لغالبيتهم فرصة لرؤية الوجه الآخر للآخرين الذين لم يكونوا سوى أسماء وألقاب تطلق عليهم حسب إيديولوجياتهم، لقد كانت فرصتهم الحقيقية والوحيدة للتعرف على ذلك الآخر المجهول والمنبوذ، لقد شكل فتح أعينهم على حقيقة أنهم أناس يشبهونهم وأنهم ليسوا زنادقة ولا ملاحدة بالضرورة، أو متطرفين وظلاميين كما يطلق عليهم من الطرف الآخر، لكنهم أشخاص يشعرون كما يشعرون هم، يحبون وطنهم ومستعدون للتضحية من أجله، كانت هذه ربما هي الصدمة الكبرى للشباب الإسلامي خاصة الذي تربى لسنين ضمن مجموعات مغلقة، قد تعترف بالآخر لكنها لا تتعارف معه، كان الأمر كما لو أنك أفقت من كذبة كبرى عشت فيها عمرا ولم تعرف غيرها، حتى صارت حقيقة لا نقاش فيها…لكنك اليوم عندما خرجت مع الجموع وجالست الشيوعي والسلفي والتحرري والماركسي اكتشفت أنهم أمم أمثالكم، هم أيضا يفكرون في التغيير وفي تحسين الأوضاع وفي رؤية مصر أفضل، قد لا تكون مرجعيتهم إسلامية بالضرورة، لكنهم يؤمنون بالإنسان المصري ومستعدون للتضحية من أجله.

كانت هذه الصدمة الأولى تليها صدمات أخرى، للطرفين، الشيوعي والليبرالي والإسلامي والعدمي واللامنتمي والذي لا يعرف شيئا في أي شيء، لاحقا أصبحت صدمتهم جميعا، في رموز الدولة ورموز النضال والدعاة والعلماء وأولئك الذين قدموا أنفسهم مدافعين عن الحق ومنافحين عن الدين.

الصدمة التي وصفها أغلبية من شاهدوا الشريط بكونها صدمة نفسية، كانت صدمة فكرية بالأساس، اكتشاف أن كل تلك الأشياء التي تربيت عليها لم تكن صحيحة أو على الأقل لم يكن كل ما فيها صحيحا، كل تلك الأفكار التي تشبعت بها وصرخت دهرا مدافعا عنها، وكل تلك القيم التي تشربتها واعتنقتها لم تكن إلا شعارات واهية.

بغض النظر عن النماذج التي قدمها الشريط، إلا أن ما حصل في مصر كان صدمتنا جميعا، كان فرصة لنا لمراجعة مسلماتنا، للتثبت من مواقفنا، لمساءلة أنفسنا هل ما نؤمن به نؤمن به لأننا نؤمن به أم لأنهم جعلوننا نؤمن به؟ كانت الثورة المضادة في مصر فرصتنا لأخذ مسافة اتجاه الأشياء والقيام بمراجعات فكرية عميقة، اتجاه تمثلاتنا وأفكارنا ومعتقداتنا وقدواتنا…الفرق الوحيد أنه كان لدينا الوقت والمساحة والظروف التي تجعلنا نفكر على مهل وبحكمة ودون تأثيرات شخصية أو خارجية، لكن الشباب في مصر لم يكن لديهم هذا الترف، لقد وُضعوا في وجه المدفع في مواجهة كل شيء، ظلم وقهر واستضعاف وخيانة…لم يكن لهم ترف الرجوع مسافة إلى الوراء لرؤية المشهد بحيادية أو بموضوعية حتى.

لقد كان أغلبهم مكلومين ومشتتين وضائعين بين خيارات أحلاها مر، ربما لم ينج من هذه السنين العجاف إلا أولئك الذين تشربوا مبادئهم وعصفت بهم أزمات سابقة وآمنوا بنهجهم على رغم كل شيء وبفضله، ربما لم ينج إلا أولئك الذين وجدوا ما يتشبثون به في ماضيهم وما يعينهم على مستقبلهم، ربما كانوا أكثر حظا من غيرهم لأنهم لم يتركوا وحيدين في ساحة وغى وربما هو ثبات رباني ومدد إلهي لا نملك منه شيئا وربما هو خروج إلى بر آمن بعد عصف داخلي لم يخرج منه أقرانه بذات الثبات.

ربما هي طرقنا التي تتقاطع أحيانا قبل أن تفترق، خروجنا كما دخلنا أو خروجنا كما لم ندخل أو دخولنا لمعتركات جديدة بمحض الإرادة.

ثم تتساءل أين هي النخبة من كل هذا؟ أين هم المثقفون والعلماء والمفكرون من كل ما يقع مع شباب الوطن الإسلامي؟ أين هم من تغيراتهم وتساؤلاتهم وهمومهم؟ أين كل أولئك الذين أخبروا هؤلاء الشباب وهم مراهقون أن الإسلام هو الحل فلم يروا الإسلام فيهم ليرتدوا على أعقابهم، ألا يحملون كثير وزر في كل ما يقع؟ أم أن الجواب سيكون لقد غرت الشباب الحياة الدنيا فارتدوا على أعقابهم كافرين!