ماذا بعد؟

366

يحدُث أحياناً أن نُطيل الكلام أثناءَ عرض وجهة نَظَر ما على شخص لا يقتنع بجدواها، أو بالنتائجِ التي تروم الوصول إليها؛ فتكون ردَّة فعله عبارة عن كلمة قد تبدو بسيطة؛ إلا أنها تطفح بالكثير من معاني الإحباط وعدم المُبَالاة:
ومن بعد؟
ماذا بعد؟
أو “وبعْدِين؟”؛ كما يجري على لسان المصريين.
غالباً ما تكون هذه العبارة (همزة قَطْع) تنقطع بعدها محاولة الإقناع، وينتهي الحوار إلى غير جدوى.

تظل الأسئلة الْمَابَعْدِيَّة أهمَّ ما يشغل حيِّز التفكير في حياة بني الإنسان، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم، وهي الحافز الأهمُّ الذي يحدو بهم للسير قُدُماً في دهاليز الحياة؛ لكن بُعْد النظَر الذهني، وعمق التفكير إزاءَ هذه الأسئِلة هو ما يختلف فيه الناس، وتتباين فيه درجاتهم، مثلَ النّظَر الحسي تماماً.
تكتسي هذه الأسئلة في الحياة العمَلِيّة صِبغة من التسلسل غيرِ المُتناهي؛ تُفضي كل حلقة منها إلى حلقة أخرى، وتذهب كل واحدة منها بنسبة من رصيدنا الزمني والصحي المحدود.

تبدأ الحلقة الأولى بالظهور مع تشكل وعينا للوجود والحياة، ثم ما تفتأ تتسارع وَتِيرَتُها وتكثُر أعدادها مع تقدمنا في السن؛ فما بعد الشهادة الدراسية، وما بعد الوظيفة، وما بعد السكن، وما بعد الزواج، وما بعد تربية الأولاد…ما هي إلا حلقات كبرى نستفرغ فيها كؤوس عمرنا إلى آخر رَشْفَة.
ويبدو أن المشكلة التي تعرض لنا في هذا السياق أننا لا نطرحُ هذه الأسئلة في الغالب جملةً واحدة؛ بل نستفرغ كل طاقتنا وتفكيرنا في الوصول إلى الحلقة الأولى ثم نفعل الشيء ذاته حتى نبلغَ الحلقةَ الثانية، وهكذا…
تنكشف لنا بعد كلِّ مرحلة درجة انخداعنا بها، ومدى زيف أوهامنا وسذاجة أحلامنا التي كانت معلقة عليها، فتنْتَابُنا غصَّة من الندم لا نجدُ لها من حيلةٍ سوى أن نتجرَّعها على مضَض، وإذا بِنَا نحترفُ من جديد فنَّ النسيان، ونقوم بالشيء ذاته مراراً وتَكْراراً.

لكن، إلى أين سيفضي بنا طرْحُ جميع هذه الأسئلة، والتشوُّفُ إلى غاياتها جُملةً واحدةً، وعرضُها تحت طائلة الجدوى أو المعنى؟!
من حُسن حظنا أن نسبة من يعمل بهذه الطريقة قليل جداً جداً..؛ لأن إجاباتها غالباً تلتحف بصبغة سوداوية عدميَّة تكاد تلُوحُ من ثناياها أطياف لشخصيات مثل أبي العلاء المعري وعمر الخيام ودوستويفسكي ونيتشه وشوبنهاور وغيرهم من رُوَّاد مذهب العدمية.
يقول بعضهم: “إننا نعيش في عالمٍ خُدِعنا فيه بأَنَّ قبول أسباب التعاسة هي السعادة!”

قد لا نتصور أن شخصاً ناجحاً متربعاً على عرش إنجازاته، بعد أن سلخ سنينَ عُمره، واستنفد عنفوان شبابه وعُصارة أيامه في الكَدِّ والنصب أثناء السعي وراءَ هذه الغاية، قد طرح على نفسه سؤال الجدوى من كل ذلك قبل البداية، أكان في قرارةِ نفسه سيظل مستمسكاً بأفكاره الأولى، ليزعُم أن ما وصل إليه كان يستحق كل تلك التضحيات؟

مما يُنسب إلى ستيف جوبز في أيامه الأخيرة أنه قال: “في هذا الوقت، وأنا ممدد على سريري في المستشفى أتذكر حياتي الطويلة، أدرك أن جميع الجوائز والثروات التي كنت فخوراً جداً بها أصبحت ضئيلة وغير ذات معنىً مع اقتراب الموت الوشيك. الآن فقط أفهم بعد أن أمضيت حياتي محاولاً جمع ما يكفي من المال لبقية حياتي، أن لدينا ما يكفي من الوقت لتحقيق أهداف لا تتعلق بالثروة فقط.. مصيرنا يجب ألا يكون فقط في الجري وراء الأوهام التي تبنيها الشهرة أو المال الذي أفنيت من أجلهما حياتي ولا يمكنني أن آخذهما معي الآن.”
إن أمثال هذا النموذج الذين نالوا أكثر نصيب من الحظ الجيد بمعايير عالم الأعمال، لم يكونوا مع الأسف يطرحون سؤال ما بعد الوصول، أو الجدوى من كل ذلك قبل أن يحدث؛ إنها دوامة الحياة التي تجعلك لا تتوقف عن السعي وراء الوهم إلا بعد أن تصير أنفاسك فيها معدودة، وخطواتك فيها نحو النهاية قابَ قوسيْن أو أدنى.
ولعل هذا مما يفسر جانب التضخم في الإنتاج التقني والمحسوس لدى الكثير من الدول التي صار فيها الإنسان عبارة عن آلة إنتاج، على حساب الجانب الروحي؛ مما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى أن يضع الكثيرون حدّاً بئيساً لحياتهم بعد سلسلة من أزمات الاكتئاب وخيبات الأمل المريرة.

إن عيش اللحظة وإن كان مما لا ينبغي الغفلة عنه فإن خلاصة الكياسة والتعقل عند الإنسان يمكن أن توجز في: “النظر في عواقب الأمور ومآلاتها البعيدة” وهذا ما يظهر بجلاء في سجلات الفاشلين في شتى مناحي الحياة.
لهذا فإن سؤال ما بعد الوجود الأول، أو ما بعد عالم الشهادة من هذا المنظور يستحيلُ بحالٍ أن يكون من نافلة القول وفضول الكلام؛ بل هو من الأساسيات التي لا تقبل التغافل أوالتناسي الساذج.

إن اللاوعي عندنا يوهمنا أن الحياة هي نصف الطريق، وما بعدها هو النصف الآخر؛ لكن الحقيقة بخلاف ذلك تماماً؛ فليست الحياة سوى لحظة خاطفة وسريعة بالنسبة للوجود، لكنها ذات قيمة مصيرية؛ فهي بمنزلة الجزء من الثانية عند فائز في السباق، أو ناجٍ من حادث سير، أو مُعتَق من غرقٍ محتوم..
من المفيد أن نطلع من الناس الأكفاء على آخر ما قالوه أو كتبوه في أُخريات حياتهم؛ حيث تكون النفوس في الغالب في يقظة أخيرة، متجردة عن الأنانية والتفكير بمنطق المصالح الآنية؛ وإنما تكون أكثر وضوحاً وصفاء وبُعْدَ نظر فيما وراء ظواهر الأشياء.
في الأخير، يقول بعض الحكماء: “الناس الذين يَقْضُون حياتهم دون أن يتمكنوا من الابتسام في لحظة الموت، هم غالباً أناس فهِموا الأولويات على نحو خاطىء.”