هل نحن مُخيّرون أم مُسيرون؟

662

في القرآن آية مُحيرة: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}، وفي موضع ثانٍ: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}، وفي موضع ثالث: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}، فأين موضع أقدامنا في هذا الوجود المحتشد بالأناسي والخلائق والإرادات؟
مثلا هل كان مقتل الخاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا قدرا لا خلاص منه ولا فكاك؟ أم ثمة إرادة مسؤولة خلف الأحداث؟ لنحاول التفكيك الفلسفي للوجود ونحن والإرادة؟

نحن نولد مسجونين بحكم مؤبد في قفص البيولوجيا، مربوطين إلى سلاسل النسبية للبعد الرابع (الزمن)، أسرى في أغلال الثقافة وإكراهات المجتمع.
{نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}. ندخل أجسادنا فنتسربل فيها محكومين بالجينات، تشكل قدرنا من صحة ومرض وجمال وتشوه.
“الجينات” الشفرة السرية للخلق التي تعطينا لون العينين وطول القامة وقسمات الوجه ولحن الصوت، كما تحدد طول العمر من خلال ساعة مبرمجة على رنين منبه الموت مع كل انقسام كرموسومي.
الجينات في الخلايا تحدد العمر والاستعداد لمرض السكر والميل للتسرطن وخلل فقر الدم المنجلي ومرض التوحد.

نحن سجناء عالم بيولوجي بقفل أثقل من نجم نتروني -حيث لا فراغات بين البروتون والإلكترون- في قدر لا فكاك منه. علينا أن نتنفس وإلا اختنقنا، أن نأكل ونشرب وإلا هلكنا، وأن نمارس الجنس وإلا انقرضنا. يطحننا المرض وتفترسنا الشيخوخة، علينا أن نمشي على الأرض بقانون الجاذبية فلا نستطيع الانتقال بسرعة الضوء في استحالة يفرضها قانون النسبية باستهلاك طاقة لا نهائية وتوقف كامل في مربع الزمن.

نحن نرزح تحت ثقل قوانين الفيزياء، تُحْكم بقبضتها على رقابنا، في أغلال إلى الأذقان فهم مقمحون، نحن نأتي إلى الحياة بدون إرادتنا، ونخرج منها بدون إرادة ورغبة بعد أن ذقنا حلاوتها، في نقطة ضعف تسلل منها الجبارون لمسك رقاب العباد بالتعلق بالحياة مالم ينعتق الشعور مع حلاوة الإيمان كما حصل لسحرة فرعون.

نحن نولد في “عصر” نعيش ثقافته، لا نتحكم في وقت المجيء إليه في ثانية واحدة منه تقديماً وتأخيراً، تدفعنا يد جبّارة إلى مسرح الأحداث فنشارك على خشبة مسرح، ثم ينتهي دورنا فنمضي وندلف إلى مستودعات النسيان فلا تسمع لهم ركزا.

اعتبر الفيلسوف الفرنسي باسكال أن الإنسان يسبح في اللحظة الواحدة بين العدم واللانهاية؛ فهو كل شيء إذا قيس بالعدم، وهو لا شيء إذا قيس باللانهاية، وهو بعيد كل البعد عن إدراك الطرفين؛ فنهاية الأشياء وأصلها يلفهما سر لا سبيل إلى استكناهه، وهو عاجز عن رؤية العدم الذي خرج منه واللانهائي الذي يغمره.
نحن لا نستطيع ركوب آلة الزمن فنعود إلى زمن الأنبياء، كما لا يمكن القفز فوق حاجز الزمن فنعيش بعد ألف سنة، لنرى عالما مستحدثا جديدا، وقد لا نرى عالما أفضل، فيما لو ارتكب الجنس البشري الحماقة الكبرى بإفناء نفسه كما جاء في مفارقة فيرمي الشهيرة: “كل حضارة تصل للعصر النووي تنتحر!”

نحن محكومون بأَجَل لا فكاك منه، وزمنٍ نعيشه مفروض علينا لا يُخترق إلا بطريقة واحدة: الخيال.
هكذا تصور دافنشي الطائرة، وكتب جول فيرن قصة عشرين ألف فرسخ تحت الماء، وقفز عباس بن فرناس من علو مُقلدا الطير، ورفض المسيح –عليه السلام- مملكة بيلاطس بقوله: مملكتي ليست من هذا العالم.
نحن أسرى (ثقافة) ننتسب إلى حوض معرفي يبرمج عقليتنا، ويمنحنا الدين الذي نمارس طقوسه، ويشكل شجرة المعرفة عندنا محروسة بلهيب نار وسيف يتقلب.
نحن نستحم فنخلع كل ملابسنا، وننزل إلى الشارع فنلبس كل ملابسنا فلا تظهر إلا الوجنات والأحداق، تحت مفهوم اجتماعي هو ستر العورة.
المجتمع يمنحنا الدين فنعتنقه؛ فمن يولد في بافاريا في جنوب ألمانيا قد يخرج كاثوليكاً، ومن يولد في طوكيو قد يكون من جماعة سوجو جاكا البوذية، ومن يولد في جنوب العراق قد يكون شيعيا.

مقالات مرتبطة

كذلك كان الانتساب إلى منطقة ما قدراً ندفع فيه الثمن من مصائرنا؛ فمن يولد في راوندا يهرس كموزة في حقل، أو يمشي بساق خشبية وذراع معدنية في أفغانستان، ومن كان ألبانياً في كوسوفو يخسر كل شيء ليقرر مصيره أساطين السياسة في لوكسمبرغ، أو سوريا هاربا هائما على وجهه في غابات أوروبا، أو يعتلي صهوة سيارة جيمس في الخليج، ترجع رفاهيته إلى صدفة جيولوجية بحتة أكثر من عرق الجبين وكدح السنين، ومن يحالفه سوء الحظ فيولد في بعض مناطق العالم العربي قد يكون رهين الاعتقال، لا يرى خروجاً من ظلماتٍ بعضها فوق بعض، في حالة استعصاء ثقافية بدون أمل في الخروج من النفق المسدود، لا يستطيع فتح فمه إلا عند طبيب الأسنان، أو هارباً خارج وطنه بجواز سفر من الدومينيكان أو الأرجنتين، أو لاجئا سياسيا في السويد وألمانيا، أو مهاجرا كنديا إذا أسعفه الحظ والمال، أو قد يكون من السعداء النُّجباء من شريحة الـ 5% له كل المال وكل الامتيازات في جمهوريات الموز وجملوكيات الرفاق الثوريين، يساق له رزقه رغداً بالعشي والإبكار، في بلد هي مزرعة له ولعائلته.

مع هذا فإن هامش الحركة في “المكان” و”الفكر” و”اللغة” أفضل من البايولوجيا، فقد يفر عراقي إلى بريطانيا مبدلاً وطنه، وقد يعتنق فنان بريطاني الإسلام مُغيراً عقيدته، كما قد يتعلم طبيب أردني يختص في الغرب اللغة الألمانية، ويرتفع الإنسان بالعلم بدون حدود فيتخلص من الطبقة والفقر.

نحن نظن أننا أحرار في المجتمع وهذا أكبر من هلوسة؛ فنحن في الواقع مُكبَّلون بأشد من أصفاد اليدين والرجلين؛ فالوسط ينحت لغة الطفل في تلافيف الدماغ، وآباؤنا يحددون لنا القدر البيولوجي لأجسادنا، ومعها المجال مفتوحٌ لكل الاحتمالات والاستعدادات، والمجتمع يهبنا المعادلة الاجتماعية بعد البيولوجية فيجعل من الفرد بشراً سوياً، كما يفرض علينا السلوك السوي، ويعاقبنا إذا خرجنا عن القانون بأشد من معاملة الدجاج وهي تبصر الدم في دجاجةٍ مجروحةٍ فتنقرها حتى الموت، وعندما يشذ الفرد عن القطيع يعامل بالسخرية والأذى والاتهام بالجنون والنفي على ثلاث أشكال: من ظهر الأرض إلى قبر السجن، ومن دفء الجماعة إلى برد العزلة، أومن شاطئ الحياة إلى سفينة الأموات، مع أنوبيس في العالم السفلي.

هامش الحرية كما نرى كالصراط يوم القيامة، أرفع من الشعرة، وأحدّ من السيف، ونحن نعيش إكراهات متتالية من المهد حتى اللحد، في قبضة الجينات، وزنزانة الزمن، وقفص الثقافة، ومعتقل المجتمع.
مع هذا فلا يتقدم المجتمع إلا بهامش الحرية الضئيل هذا، من خيال الأفراد المبدعين، يتجاوزون بخيال مجنح إشكاليات القضبان والمعتقلات، فيتنسم في حديقة الدماغ رؤى المستقبل في إمكانيات جديدة واختراعات مبتكرة ونشأة محدثة في تطور سفر الإنسان.
وعند هذه الزاوية الضيقة تتشكل جدلية الحركة بين ثبات المجتمع كعلاقات تشريحية وحركته كفيزيولوجيا وتطور.

العقارب تعيش على ظهر البسيطة بدون تغير يذكر في نمط حياتها منذ 400 مليون سنة، ولكن الحيوانات محكومة بنسيج فولاذي، آسر للتصرفات، تعيد دروة إنتاج نفسها بدون أي تقدم، مثل القطار المحكوم بالمشي على القضبان، لا يخرج منها إلا لمواجهة حادث مروع.

العجل يمشي بعد الولادة بساعات، والأرانب تنضج في شهر فتسعى، ويبقى الإنسان الكائن الوحيد الأضعف طراً في مملكة الحيوان، ولكن الفرد يمتص خلال سنوات قليلة خبرات كل الجنس البشري المتراكمة في ثلاثة ملايين من السنين؛ فينطق ويحمل الكراهيات وأخطاء الثقافة من خلال ثلاث لغات متتالية: (سيميائية) من تكشيرة الوجوه وحركات اليدين، و(صوتية) بالصراخ أو الاستحسان، وثالثة بـ (الكتابة) وهي القشرة السطحية لنقل النظام المعرفي، وتبقى الطبقات الكتيمة العفوية من التشكل الأركيولوجي الثقافي خلف الكثير من سلوكنا اليومي.

نحن والحيوانات نعيش على ظهر الأرض منذ ملايين السنين، ولكن الإنسان وضع قدمه على القمر، ونزلت مراكبه على سطح المريخ، ويرسو اليوم على ظهر الكروموسومات؛ فيكتشف أسرار الشيفرة السرية للوراثة، ومعها تصرفاته الحافلة بالأسرار، ويعرف أن 95% من حركة الإنسان يقودها “لاوعي” أعمى.
ثقب العين صغير، ومنه يرى الإنسان العالم، ومن هذا الثقب لا يرى إلا الضوء العادي، في شق ضيق من عالم فسيح من طيف الموجات، ما يرى منه عشر معشار ما لا يرى، لم يكن غريباُ أن أقسم القرآن على ما نبصر وما لا نبصر.
مع كل هذه المحدودية للرؤية فإنه يفهم قوانين الكون، ويطور ببصيرته بصره، فيرى توهجاً لامعاً للنجوم من عمق المحيط والكون، على مسافة تسعة مليارات سنة ضوئية.

الإنسان كمبيوتر مختزل لكل الوجود في داخله، يحمل إمكانيات تطور بدون توقف، فيه شريحة كمبيوترية من روح الله، مزود بوثيقة وكالة عامة من الخالق لاستخلاف الكون.

كان الفيلسوف إقبال يناجي ربه حزيناً: يارب هذا الكون لا يعجبني!!
فيأتيه الجواب: اهدمه وابن أفضل منه.