الغرفة السرية

288

يقول الكاتب المصري مصطفى محمود في كتابه من الشك إلى الإيمان: “والخلوة مع النفس شيء ضروري ومقدس، بالنسبة لإنسان العصر الضائع في متاهات الكذب والتزييف، وهي بالنسبة له طوق النجاة وقارب الإنقاذ.”

مما لا شك فيه وباعتبارنا أشخاصا نتشابه على المستوى الفسيولوجي، ونتباين عرقا، وثقافة، ودينا، وجنسا ولغة، غير أننا نُتقن إنجاز مهمة واحدة هي التقاؤنا بذواتنا على حين غَرّة.  فعندما يُسدل الليل ستاره وتنقطع أي صلة بيننا وبين عالمنا المادي؛ حيث لا نستطيع حتى التعرف على ماهية أجسادنا التي يُغلِّفها السواد، وكل ما نستطيع تحصيله آنذاك هو سماع صوت في دواخلنا يتأرجح صعودا وهبوطا بين ثنايا صدورنا وبطوننا، ومن غيرها؟ وهي التي قال عنها الواحد القهار في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، إنها النفس التي نشتركها نحن وبعض الموجودات الإلهية، غير أننا كرمنا عنها بمَلكة العقل.

وبعيدا عن أي تعريفات للعقل البشري التي لم تُوفِّه حقه، خُلق هذا الأخير ليهدي صاحبه إلى الطريق القويم إلى جانب قيامه بعمليات مسلمة كالتفكير، والتحليل، والإدراك والمعرفة، بينما خص الله النفس بكل ما هو حسي من حب، وكره، وغضب وشهوة، وألزم العقل أن يروضها ويحد من جموحها،  ويحكم قبضته القوية عليها، شيّد لها على أرضه غرفة مستترة تلجأ إليها كلما فقدت السيطرة، ولم تعد قادرة على تسيير أمورها.

غرفنا تحمل نفس التصميم، وتختلف جوهرا ومضمونا، فلكل واحد منا تجارب تتباين عن الآخر، ولكل نفس مساعيها وغاياتها الخاصة في هذه الحياة، فشخصان يخطوان إلى نفس المقصف يطلب الأول كأس قهوة بينما يكتفي الثاني بشراء قنينة ماء.

تُؤثث كل غرفة حسب ذوق صاحبها، وتُرتب وفق ما مررنا به منذ اللحظة التي أصبحنا نعي بما يجري حولنا. نلجأ لهذه الحجرات سرا، حتى نعبد تأهيل أنفسنا ونجيب عن الاستفسارات التي تتعلق بخلقنا، ومعرفة السبب الحقيقي وراء استيطاننا لهذه الأرض، والذي جعلنا الله من أجله جسدا وروحا، ودب فينا الحياة.

بداخلها نرى حقيقتنا غير تلك التي نتصنعها في عالم مليء بالنفاق والكذب، فلديها القدرة على مواجهتنا بأفعالنا، وتعرية عيوبنا التي نحاول إخفاءها عن عيون الآخر، بل تتعدى ذلك بمحو صفة القديس التي نتصورها عن أنفسنا.

ألج غرفتي كل ليلة، وأتجرد من كل ما هو مادي ومحسوس، أفتش عن حقيقتي، وعن أخطائي، وأستحضر آلامي وتجاربي، وأُقلب صفحات ماضيَّ وحاضري، وأنتقي منها ما سينفعني في مستقبلي كما أجد إجابات لأسئلة كثيرة أثقلت كاهلي، وأغادرها مع ضوء النهار وكأنني غادرت رحم أمي توًّا، ولكني حين أدوس أرض واقعي يجتذبني روتيني اليومي، وأرتدي القناع الذي أواجه به المجتمع وتغادرني تلك اللحظات إبان كنت بغرفتي، أبكي، وأصرخ، وأركل، وأرفس وألعن كل ما يجعلني على ما أنا عليه الآن.

يعيش كل منا حياة مزدوجة ليلا ونهارا، فهو الأب النصوح، والأم الحنون، والأخ الرّاعي، والأخت النبيلة، وهو العامل، والطبيب، والمهندس، والمتشرد، والفضولي، والكريم…هو كل مهن العالم، وكل أخلاق العالم، هو كل شخص في العالم، ولكنه في خلوته بين جدران حجرته، هو أنا وأنت…هو إنسان يبحث عن كنهه، وشخص يحمل معه دائما مفتاحا يتسلل خلسة ليستعلم عن ذاته، ويفتح باب غرفته السرية فيواجه نفسه الحقيقية.