وما عظمة الشر سوى خوف أعظم!

240
لا تخلو الحياة من النزاعات لكونها أمرا طبيعيا؛ نظرا لطبيعتنا الاجتماعية المعقدة وتداخلها مع ميولاتنا الفردية التي تضعنا في تعارض مع الآخر، هذا التعارض -الذي مهما اختلفت أشكاله- إلا وكان له منبع ينبثق منه، سواء كان عقديا أو فكريا…؛ إذ لا يعدو كونه نتاجا لآلية تحليلية بدائية تقتصر على معطيين ذوي تأويلات متعددة تندرج تحت مفاهيم محنطة أي نسبية غير ثابتة، خاضعة لنسق إيديولوجي تعاقدي، كالخطأ والصواب، والجيد والسيء، والنافع وغير النافع والخير والشر…

غير أن هناك بعض السلوكيات الشاذة التي أجمعت عليها البشرية بمختلف أطيافها؛ باعتبارها سلوكيات مرفوضة وغير مرغوب فيها لما لها من خطر على نمط عيش الإنسان كمجتمع باعتباره الضامن لاستمراريته، وكل ما قد يمس هذه الاستمرارية فهو شر مطلق…
 
مما لا شك فيه أن الإنسان يولد خيّرا بجميع المقاييس، مُسالما وبريئا من أي فعل منبوذ، كالكذب والسرقة والأذيَّة…فأول ما يطفو على تعبيرات ملامحه وسلوكياته بعد خروجه واحتكاكه بالحياة -بهيأة لاحول له ولا قوة- هي الأنانية والخجل بطابعه البريئ والمبرر بسبب الخوف، والحقيقة أن باقي السلوكيات الدفاعية هي نتاج هذا الأخير.
فالأنانية حسب علم النفس هي حب الذات، كنزعة طبيعية تحمله على الدفاع عن نفسه وحفظ بقائه، أما الخجل فهو خوف مدفوع بالأنا إلى حد كبير مما قد يتعرض له الشخص من أنواع الرفض من طرف المجتمع، وقس على ذلك باقي السلوكيات، غير أن توزيع حدة هذه السلوكيات (الكذب والسرقة…) يختلف حسب طبيعة الظروف والوسط، كما أنها تعتبر مبررة ومقبولة في بعض الظروف، حتى أقصى درجاتها عنفا كالقتل.
 
ومن هنا استمدت هذه السلوكيات نسبيتها من حيث التصنيف على أنها خير أو شر…كأن تقتل عدوا يهدد سلامة أهلك ووطنك، فهذا يعد خيرا…، لكن أن تتعدى على حياة شخص لا يشكل لك أي تهديد فهو شر…هي أمور واضحة وبسيطة، متفق عليها تعاقديا، على أن هناك حدود لمدى إمكانية اللجوء إلى كل نوع من هذه السلوكيات الدفاعية.
ومن هنا نستنتج أن الحالة النفسية للشخص -باعتبارها نتيجة لطبيعة الوسط غير الآمن- هي التي تولد لنا هذه السلوكيات، وبالتالي فإن التهديد الذي يشكله الأشخاص الخارجون عن ضوابط الإطار الاجتماعي، هم أيضا في حالة دفاعية باعتبارهم ينهجون نفس السلوكيات، غير أن هذه السلوكيات تمارس في غير موضعها الطبيعي.
 
انطلاقا من مجموعة من الدراسات والبحوث التي قام بها هاينر كويب عام 1993 أشارت إلى أهمية الشروط الاجتماعية في تحديد الشخصية المتسلطة، هذه الشروط لها ما يشبهها في الجانب الاقتصادي والتي تحد من تمكن الأفراد من اتخاذ قرارات متحررة، مما يجعل الأنا متشددة فتتماثل سلطة الفرد مع سلطة المجتمع، مما يجعل الأنا في حاجة مستمرة إلى عدو متخيل تعيد إنتاجه من خلال آليات دفاعية انعكاسية.
 
وأشارت أبحاث قام بها ماكس هوركهايمر إلى أن المسؤولية التي تنتج عنها هذه النزعة العدوانية هي بالدرجة الأولى ناجمة عن الضغوط الاجتماعية والكبت الذي يُولِّد عدم التماثل والانسجام مع المجتمع وعدم التكيف مع البنى التراتبية، كما أشار إلى الكبت العدواني الذي ينشأ من الطفولة داخل الأوساط التي تفرض طاعة الكبار على الصغار، وتحول الضعفاء من الناس إلى قاصرين، (وقد خص بدراسته هذه العائلة البرجوازية).
وقد جاءت هذه الدراسات وغيرها نتيجة لما خلفته المجتمعات النازية والفاشية وجميع الأنظمة المعادية للديمقراطية، وما سببته من خسائر للإنسانية ككل والتي لايزال صداها مستمرا إلى حدود عالمنا المعاصر.
 
باعتبار أن الفرد هو فرد كباقي الأفراد، فالمشكل القائم راجع بالأساس إلى طبيعة المجتمع غير الديمقراطي بمختلف مكوناته، انطلاقا من العائلة الصغرى نهاية بالعائلة الكبرى، أي المجتمع بشتى مؤسساته الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية…، التي تتم فيها نشأة الطفل كمواطن من جميع الزوايا وفقا للأسس القائمة عليها، ونتيجة لها يتم قمع الرغبات وكبتها، مما يولد صراعا لا شعوريا ينمي عدائية لاواعية لدى الفرد، غالبا ما تسقط على ضحايا آخرين لتفريغ شحناتهم السلبية.
 
ليس هناك إنسان عاقل راغب في الشر الذي يقبع فيه، أو بعبارة أخرى: ليس هناك إنسان شرير من تلقاء نفسه، إنما هي عوارض لانتهاكات قد مورست على طبيعته الحرة التي يولد عليها، بالاضافة إلى الفطرة المسالمة التي فُطر عليها. لكن هذا لا يبرر أعمال شره؛ لأن الواجب هنا باعتباره ذاتا واعية أن يروض نفسه على تلك السلوكيات أو أن يلجأ إلى أخصائيين في هذا المجال.
كما أن الواجب على كل فرد في هذا الصدد أن ينفتح على العالم كمجتمع واع، وأن يقاوم جميع الضغوط والانحرافات التي يمارسها القائمون على السلطة ومن حولهم.