المناجاة بلسم الأحزان

133

أثقلت الأشجان كاهلك فما عُدتَ تقوى على المُضي في دربك مستقيما، أم استحوذت أطياف الهلع والقلق على فكرك استحواذ المستعمر على مروج الزيتون الخضراء؟دعني أبشرك بنبإٍ سار يثلج فؤادك غبطة ويدب فيه روح الحياة، ترياق دائك ليس ببعيد المنال، إنه بجانبك أينما وليت، سماء لا بداية لها ولا نهاية.

هي دواء لكل داء، كلما رفعت رأسك عاليا متأملا إياها ثوان أو ربما دقائق معدودات تتساقط الهموم من على أكتافك الواحدة تلو الأخرى، فتشعر بتفاهة ما تعيشه من كرب وأحزان أمام عظمة سماء لا متناهية، تسمرت عاليا في ثبات ورزانة كشاهد مدرك يرى ويعي كل شيء، شهدت آلام شعوب أبادتها الحروب، ذاك اليتيم المشرد بجسده الهش مرميّ على الطرقات قذفته الحياة بعيدا عنها وتناست وجوده ليجد نفسه آناء الليل يقشعر زمهريرا، فراشه وغطاؤه واحد، ضوء قمر تسلل مضيئا ظلام الليل الدامس، قبلت السماء ما بين عيونه المرتجفة تعبا وخوفا، تسللت روحه المتعبة خارجا منذرة بمغادرتها جسده الهزيل المنحوت بكدمات لكمات خالية من الرحمة وجهتها صوبه الحياة، رفرفت روحه عاليا لتحتضنها السماء وتنسيها مرارة أذاقتها إياه الأيام، شهدت السماء دموع الأهالي التي كادت تُغرق المقابر، شهدت آهات المعتقلين ظلما داخل سجون التعذيب، شهدت مخاوفا، وآلاما، ولحظات من السعادة وأخرى من خوف وقلق، ظلت صامدة رغم ذلك لذا أخبرها فهي الأكثر قدرة على الكتمان، بُح لها بما يُرعبك لتجدها تُربِّت على كتفيك، تُواسيك وتُداعب خصلات شعرك في دفء وحنان، لست بحاجة لقطع مسافات أو إنفاق دراهم، وَجِّه رأسك للأعلى فأنيسك هناك ينتظرك أنت وملايين مثلك…

زرقتها وصفاؤها نهارا كفيلتان بإفقادك صوابك، قطع صوفية بيضاء أبدع في خلقها البارئ تناثرت هنا وهناك، أطلق العنان لخيالك، وامنح الغيوم أسماء مستندا إلى هيآتها المختلفة، هذا فيل أما تلك فتبدو كحبة تفاح، لتأذن بذلك للصبي المسجون بدواخلك أن يغادر زنزانته ويتخلص من أغلاله هنيهة علَّه يبعث سعادة غير معهودة في أعماقك ويسرقك ولو للحظة بعيدا عن هذا القلق الذي بات يغمر جل أوقاتك بعيدا عن تلك الصعاب التي تطاردك ليل نهار…

مقالات مرتبطة

أما إن صادف قلقك وقت غروب الشمس فيالك من محظوظ أتيح له أن يشهد أروع الإبداعات الربانية التي تجعلك تقف مذهولا أمام رونقها وجمالها! لوحة فنية متناسقة أبدعها الله عز وجل هي تجسيد لأبهى وأجمل النهايات، وحدها كفيلة بمنحك درسا على طبق من ذهب فلكل بداية نهاية، ونحن كأناس فانون نهايتنا حتمية فما الداعي لتضخيم الأمور ولماذا نهدر أيامنا المعدودة متقمصين دور الضحية، غارقين وسط أنهار هم وغم وأفكار سلبية!

تكسو حمرة خجل شمس النهار…تختفي شيئا فشيئا مبتعدة صوب الأفق منذرة بظهور حسناء الليل، فالسماء ليلا تظهر كحسناء وجهها قمر وعباءتها سوداء، أما عنقها فمُزين بلآلئ بيضاء، نجوم جاورت القمر فأخذت حصتها من ضيائه لتشع نورا هي الأخرى، داعية إياك إلى تقليدها، اسمح للقمر أن يضيء دنياك، دعه يتسرب إلى أعماقك منيرا فكرك وفؤادك…كلِّم السماء، اشْك همومك لها، حدِّثها عن أفراحك وكربك، أخبرها كم أنك سعيد بإنجازك الجديد أو بتحقيقك أخيرا هدفا طال انتظاره، حدثها عن أمانيك وآمالك، ستسمعك وستخبرك أنك تستطيع، هذا أكيد! وكيف لا تفعل وبها رب خلق السماوات والأرض يستجيب لك مهما طلبت إن كان أمرا خيرا لك؟أنظر إلى الطيور المهاجرة ترفرف بجناحيها هنا وهناك طليقة كما لو أن الدنيا خلقت لها، دع رموشك السفلى تعانق العليا لتغمض جفونك في اطمئنان واسمح لعقلك بالتحليق عاليا كما لو كان من طائفتها…

لاريب في كوني على أتم يقين أن تصوري هذا سيبدو سخيفا بعض الشيء أو ربما أكثر بكثير للعديد من القراء، سيتبادر إلى أذهانهم أن إطلاق نعت الدواء على شيء طبيعي كالسماء تفاهة لا غير، فلو كان النظر إلى السماء كالبلهى حلا لكل شيء لأصبح العالم أجمل بكثير ولامتلأت الشوارع بالوجوه البشوشة…بيد أنني لم أذكر قط أن السماء قد تمتلك القدرة على تسوية مشاكلك المادية، أو العائلية أو غيرها، فالحال ليس كذلك بتاتا، كل مافي الأمر أنها تخفف الآلام وتشعرك بالاطمئنان والراحة كلما سمحت لكيانك بالتدبر فيها والتوهان أمام تناقضاتها الكثيرة، فعظمتها تشعرك بصغرك وقوتك في آن واحد، تخيل معي أن أعظم الناس الذين اتخذتهم يوما ما قدوة لرسم مسارك أو تمنيت أن تسير على خطاهم، والذين ستتبادر أسماؤهم الآن إلى ذهنك وأنت تتصفح هاته السطور، ينظرون أو نظروا يوما إلى ذات السماء، والأقوياء، والملوك والسلاطين الذين انقضى زمانهم، العلماء، والباحثون، والمفكرون، والفاشلون، والقتلة، والرحيمون، والسجناء والطليقون، أفراد المستقبل الذين ربما يمتلكون جميعهم طائرات خاصة يتنقلون بها هنا وهناك كما السيارات، أسلافك وأسلاف أسلافك، أنبياء الله عليهم أزكى وأطيب الصلوات، الجميع لكن حقا الجميع، جميعنا ننظر إلى ذات السماء من قارة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر، ألا يشعرك هذا بالقوة والامتنان كما لو أن العالم جميعه في كفة واحدة وجهته واحدة وسقفه واحد…السماء!

يقول ابن قيم الجوزية في مدح السماء:”يصعد ماء البحر المالح إلى السماء بخارا فيكون غماما، ثم يعود إلى الأرض غيثا عذبا نقيا..اصعد بقلبك إلى السماء وانظر كيف يعود.” أليس محقا؟ كن بخارا، كن غماما، اصعد صوب السماء ودعها تطهر روحك لتصبح عذبة نقية كما الغيث.

أما الأروع في النظر إلى السماء…بعيدا وقريبا جدا…على عرشه على سماء سابعة استوى البارئ عزوجل يرى يسمع الجميع، لا يغفل عن نظره أي شيء مهما بدا صغيرا، فبالتحديق إلى السماء تستشعر وجوده تعالى وتيقن أنه سيصغي إلى آمالك وآلامك ويضع تدبيرا مثاليا لشؤونك، يسمع ما في قلبك دون أن تبوح به و يزيح الأذى عن سبيلك، فمهما بلغت مآسيك ارفع رأسك عاليا حيث السماء، قل يارب وسيستجيب!