بين طيات الماضي

247

كل منا يتبع طريقا مجهولا يصعب فيه العودة إلى الوراء، إلى الماضي. كلنا نملك ماضيا…حكايات وقصص حزينة نحاول إخفائها؛ لأنها مليئة بالمآسي والتضحيات دون جدوى، وفي المقابل أوقات ولحظات نحن لها لأنها غنية ومفعمة بالحب والسعادة.

فالإنسان يقطع طريقا طويلا لكنه يتوقف من حين لآخر لسببين: إما لكونه تعب ولم يعد قادرا على إكمال الطريق، أو لأنه حكيم و قرر مراجعة أفعاله.

والسبب الثاني نادرا ما نرى حدوثه. لنعد إلى السبب الأول المتمثل في التعب، أحيانا يجد الإنسان نفسه ضعيفا أمام مجراه، وحيدا أمام الحواجز، حي جسديا و ميت داخليا…

و كما سبق وقلت: لكل منا ماضٍ مزدوج، خليط متجانس بين الفرح والحزن، بيد أنه عند التوقف يتغلب الجانب المظلم ويغطي على الجانب الجميل المتمثل في تلك الصفحات التي تمنينا بقاءها ودوامها، صفحات لطالما أردنا أن يضل بابها مفتوحا ونافذتها شفافة، صفحات أحببنا ألا تُطوى؛ لأنها حملت كل ما أملنا عيشه وحلمنا وصوله ثم لحظات منتهية ذبنا أمامها؛ إذ أعطتنا أملا في التقدم والاستمرار فهي خلاصة لكل التضحيات…تلك اللحظات التي عندما نتذكرها نختم بابتسامة دون شعور وبتفكير عميق، أجل إنها الابتسامة المعبرة عن مجموع اللحظات والمراحل التي لا تنسى طول الدهر، وذاك هو التفكير الذي يحمل في طياته معان غزيرة.

لحظات كهذه تعكس اللبنة الأساسية التي تبنى عليها الحياة؛ فبمجرد النظر إليها أو العودة لها نشعر بدفعة قوية…إلا أنه عند الضعف قليلا ما نتذكرها وكثيرا ما نتذكر مواقف الغرق وأوقات الدمع والانطفاء…لن أصفها؛ لأنها -بحد ذاتها- كفيلة بالتعبير عن ذاتها علاوة على أنه لكل فرد منا طريقته الخاصة لعيشها؛ إذ تبقى في آخر المطاف شعورا باطني المنبع ومتباين الامتشال، لكن سأفتح القوس وأقول: “أطلق العنان لدموعك وهيئها للذرف، لا تكن لها منعرجا…جد لنفسك سبيلا للتعبير عن آهاتك فكما تنجدني السطور تنجدك آلاف الطرق.”

أوصي بالبحث عن الطريق؛ لأنك التعيس في لحظات كهاته لا تجد أنيسك، فالوحدانية تقتلك ودموعك تغرك؛ إذ تتغلب عليك وتعبر عن لسانك؛ فالعيون تحكي ما لا يقال وما تعجز باقي الأعضاء عن التعبير عنه، ولطالما اعتبرتها أصدق ما يوجد في الكائن البشري. لكن من يفهم لغة العيون؟ من يخفف عنك ثقل الحديث و التعبير؟ آه من صمت يقتل، صمت ينتظر شروق شمس بعد غيمة دامت أياما أو حتى شهورا. إلا أن كل هذا لن يمر مرور الكرام ويذهب هباء منثورا؛ فبالرغم من مرورنا بلحظات إحباط، لحظات غلقت فيها الأبواب وزال معها الأمل وتعبت معها النفس، فأصبح كل شيء في الحياة يبدو كالرماد أسود اللون والأصعب أنه لا مجال للبوح نظرا لغياب الصدق والإخلاص، فتجد نفسك مجبرا على حمل الأثقال وحدك وعلى الوقوف أمام ما يأتيك، فإياك والاستسلام!

نفكر ونفكر لنجد أنه لو بقيت صفحات البهجة والسرور على الدوام لما تعلمنا قط؛ لأننا سنعيش هنيئا علما أننا نتعلم من جروحنا وآلامنا ولشعرنا بالملل، لذا فما آتانا من عنده تعالى خير لنا وأفضل، فبالرغم من تمنينا لدوام مثل هذه اللحظات إلا أننا نجد أنه بعد مرور لحظات عصيبة، أنها هي كذلك كانت مناسبة لنا رغم رفضنا لها آنذاك؛ لأنها أتتنا بالدروس وغنتنا بالحكم بيد قساوتها فلحظات كهذه رغم قسوتها إلا أنها بداية لصفحة جديدة من حياتك، فتعود من ماضيك وتصنع قادمك عندها تدرك سرها إلا أن صبرنا قليل، وطمعنا كبير وإيماننا ضعيف؛ فلا أحد يتقن الاختيار أحسن منه عز وجل إذ هو أحن إلى عبده من أمه..

الحكمة لا تفهم عند لحظة الابتلاء بل تفهم بعد صبر وانتظار. فلتؤمن بأن الأشياء الجميلة تأتي بعد طول انتظار، فالفلاح لا يحصد ما يزرعه في تلك اللحظة بل ينتظر إلى أن ينمو ويصير طازجا ثم يجنيه. ابْنِ حاضرك على ما مضى وكن قويا لمواجهة مستقبلك…لا تفقد إيمانك وتوكلك، فما يأتي هو خير لك حتى وإن بدا لك مضرا، تأكد أن ربك أعلم بما ينفعك فإن ابتلاك أحبك وما أجمل ثم ما أجمل أن يحبك ربك.

عند التوقف، تذكر جمالية الحياة ورونقها في لحظات الفرح والأمل…وها هي تعود لتخطر ببالي تلك اللحظات وأنا أخط هذه الكلمات لأنهيها بابتسامة عميقة ونفخة مليئة بالحنين والشوق من جهة، والأمل والتفاؤل من جهة أخرى…فلا يسعني إلا أن أختم وأقول: “و ما خفي أعظم!”