عن أولوياتنا المغيبة!

580

يحدث في وسط كم المشاغل المتزايدة والضوضاء النفسية التي تصبح أكثر حدة كلما ازدادت مسؤولياتنا واهتماماتنا، ووسط انغماسنا في وسائل التشتت الاجتماعي التي تجعل من الوقت مجرد جرعة زائدة لا تدري متى حقنتها لتفقد إحساسك بها.
وسط كل هذا النسق الحياتي المتسارع يحدث أن نفقد قدرتنا على تقييم الأولويات…ما المهم حقا وما الأقل أهمية؟ ما الشيء الذي سيضيف لي وما هي الأشياء التي لا تعدو كونها مضيعة للوقت في زمن صار فيه الوقت عملة نادرة.

تدخل للفايسبوك والانستغرام فتضيع فيهما ثم تشعر أنك تغرق وتغرق، تعليق، فآخر، فمشاركة، فرسالة، فضغط زر يتبعه غوص حد التوهان. تحس أنك أصبحت تعرف أناسا كثر، من كل الدول، من كل الثقافات، من كل الأديان، من كل الخلفيات…تشعر لوهلة أن عالمك صار مليئا بالأشخاص الذين يشاركونك همومك وأفكارك وأحلامك ويتفاعلون معك بكل حب وجمال.
يخيل إلى المرء في وسط انغماسه في هذا العالم الافتراضي أنه فجأة قد صار شخصا آخر لا تحده الحدود ولا الجغرافيا، يخيل إليه أن ذلك الصديق الافتراضي قد صار أقرب إليه من نفسه وصحبه.
الأمر قد يكون صحيحا أحيانا فقد تنجح التكنولوجيا في جمع أشخاص مع بعضهم فتحدث بينهم الألفة وتصير الحدود الجغرافية مجرد شيء مرسوم على خارطة، لكن في غالب الأحيان فإن كل المتعاطين لوسائل التواصل يملكون حياة حقيقية، حياة يشكلها أناس حقيقيون من لحم ودم وذكريات وأشياء أخرى لا يمكن عدها أو حصرها، لكل بروفايل في الفايسبوك أو الانستغرام تاريخ طويل عريض لا يعرف عنه صديقه الافتراضي شيئا.

فما يعرفه أصدقاؤنا الافتراضيون عنا هو ما نكون مستعدين لتشاركه مع الآخرين، لا أحد منهم مثلا يعرف ملامح وجهك قبل سنين إن لم تشاركها، أو المنحى الذي تطورت فيه أفكارك، أو وعكاتك الصحية أو أزماتك النفسية أو إخفاقاتك أو مكنونات نفسك، جميعهم يرون الصورة التي تريدهم أن يروها وهم في كل الأحوال لن يستطيعوا أن يدركوا خبايا روحك إن لم تسمح لهم بذلك، وبشكل ما هؤلاء المتفاعلون وبعضهم الذي يعلن لك عن حبه وتقديره في كل تعليق، إنما يعبر عن إعجابه وتقديره للصورة التي جعلتهم يرونها ويتعلقون بها، وهي صورة ليست وهمية تماما كما ليست حقيقية تماما.

قد يحدث أن تؤجل محادثة مهمة مع صديق أو وجبة عشاء مع العائلة أو مناسبة لا تتكرر لقريب لأنك ارتبطت ببث مباشر مع متابعيك أو بمتابعة سلسلة لشخص “مؤثر” أو للإجابة على أسئلة أصدقائك، قد يحدث أن تقول لنفسك “ياااه قد منحني هذا العالم الافتراضي أناسا ما كان لي أن أقابلهم بالواقع وهم يحبونني بدون مقابل ويقدرون موهبتي” وقد تدخلهم في مقارنات مع أصدقائك الذين عرفوك قبل وسائل التواصل أو مع إخوانك وعائلتك المقربة التي في تقديرك لم تعد تفهمك كما السابق…أي قبل ظهور هذه الوسائل.
لكن هناك أشياء في الحياة لا تخضع لمنطق السوشيال ميديا، أي لا تخضع لمبدأ العرض والطلب واقتحام الخصوصية، إنها أشياء أبسط من هذا، تولد وتكبر معنا إن لم نجرب إعدامها في أنفسنا، تلك العلاقات الإنسانية الطبيعية التي تنشأ تلقائيا وبدون جهد، ذلك الارتباط بآبائنا وإخواننا لأنهم يشبهوننا، لكوننا جزءا منهم ولكونهم جزءا منا، تلك القفشات والضحكات غير المصطنعة وتلك الذكريات المشتركة وكل تلك الأحاديث الدافئة والمشاعر الحقيقية جدا التي قد لا نحسن التعبير عنها، قد نكون غير قادرين على ترجمتها لالتفاتات معينة كما نفعل في مواقع التواصل عندما نرسل قلبا أو وردة أو نكتب شعرا ونرفقه بهدية، تلك العلاقات الحقيقية جدا تحس أنها لا تحتاج منك لمجهود، لا تحتاج أن تبرهن على شيء فهي تبرهن عن نفسها بنفسها.
فأنت لن تحتاج أن تقول لوالدك في كل مرة أنك تحبه، لكن كل أفعالك وحركاتك وسكناتك ستدل على أنك تحبه، لن تحتاج أن تكتب لوالدتك فقرة تعبر فيها عن مشاعرك، لكن كل كيانك سيخبرها أنك تحبها، لن تحتاج لانتقاء الكلمات أو البحث طويلا عن هدية مناسبة لتخبر أحد إخوتك أنه يعني لك الكثير، ربما سيضحك منك إذا حاولت أن تكون مثاليا أكثر من اللازم.

لكن هؤلاء الناس تحديدا هم من ستجدهم يفرحون لك دون تصنع ولا تكلف، ستجدهم في لحظات حزنك وفرحك بجانبك تماما، ستجدهم في أيام سقمك ومرضك، ستجدهم عندما تكون ناجحا وحين يزورك الفشل، حين تكون متصالحا مع ذاتك وعندما لا تطيق النظر إليها، ربما هم من سيجعلونك تحبها من جديد.
هؤلاء تحديدا هم من ستجدهم يلتمسون لك العذر كلما أخطأت ويسامحونك دون أن تطلب ذلك، ستجدهم يتفهمونك ويتقبلونك كما أنت، بعيوبك التي لا تطاق وبلحظات سخطك الكثيرة وبتناقضاتك التي قد لا تطيقها أنت نفسك، هؤلاء هم من لن تضطر إلى التصنع أمامهم أو اختيار الكلمات للتحدث معهم، لن تضطر إلى تنقيح ماضيك أو إضافة بعض الماكياج لطفولتك.

لن تضطر أيضا لاستخدام برنامج الفوطوشوب أو استعمال الفيلترات لتبدو أجمل أمامهم، سيرونك جميلا كما أنت وكما كنت والأهم هؤلاء تحديدا هم من ستجدهم حولك يدعمونك، يمرضونك ساعة السقم، يجعلهم حضورك أكثر سعادة وستبقى دائما في نظرهم ذلك الشخص المحبب والمقرب سواء كنت تملك ملايين المتابعين في حسابك أو لا تملك أحدا غيرهم.

عائلتك وأصدقاؤك هم جيشك الوحيد والصادق، هم أولويتك في الحياة لأنك أولوية في حياتهم، قد لا يحسنون التعبير لك وقد لا يضغطون زر الإعجاب مرارا وقد لا يعرفون عن “إنجازاتك الافتراضية” شيئا، ستجدهم منغمسين في حياتهم اليومية، مستغرقين في توفير لقمة عيشهم وفي تحسين ظروف حياتهم…لكن ما يجب أن تكون متأكدا منه أنهم وهم وحدهم مستعدون لدعمك دائما ودون قيد أو شرط.