“كايزن” للإنسان

403

الإنسان كائن معرض للعطل إذا ما تعودت محركاته على الخمول والسكون، فيصعب عليه التفاعل مع نفسه ومحيطه الخارجي، ويضحى من العسير عليه أن يساهم في سلسلة النمو المجتمعي، مسببا بذلك تفكك السلسلة وتشتتها. فتبلد المشاعر وبرودها ليسا إلا حصيلة لما عود الإنسان عليه نفسه، وضمور العضلات وقوة الجسد لا يعدو أن يكون نتاجا لما سعى إليه الفرد من كسل ولامبالاة. حاله حال الآلة الصناعية التي تؤول للتلف إذا ما تجاهل مسؤول الصيانة التشحيم والتنظيف المنتظمين، وتغافل عن أعراض العطل التي تبدأ صغيرة ثم تكبر رويدا رويدا بفعل التجاهل والتقاعس. غير أنه في الحالة الإنسانية يكون الصائن هو نفسه الآلة، ولا يلام غيره على الإهمال.

يحتاج الإنسان إلى تلك الزخات الضئيلة التي تغذي قالبه وروحه بانتظام؛ فالاستمرارية والدأب هما مفتاح السر في هذه المعادلة، لا الكثرة. وهنا يحضر إلى بالي مثل مغربي يقول: “قليل و مداوم أخير من كثير ومقطوع” بمعنى أن الناس تفضل الخير القليل الدائم عن الخير الكثير المنقطع؛ فالأول يسد جوع صاحبه وتعطشه ويحفظ ماء وجهه من مد اليد وضيق المقدرة، بينما يدفع الثاني صاحبه لمكابدة ضنك الحياة وإن كان ينعم برغدها أحيانا. نحن نفتقر إلى تلك اللمسات الروحية الطفيفة التي لا نرى نتيجتها في نفوسنا إلا بتظافر الزمن والجهد، فنستعصي الدأب عليها وتبقى الروح نتيجة لذلك في فقر يزداد دقعا مع الزمن، بينما نظل مكتوفي الأيدي راضين بتدهور خاصية الصيانة فينا.

وبالعودة إلى عنواني المختار، ف “كايزن” هو منهج ياباني يعنى بالمجالين الصناعي والتجاري، ويهدف إلى التحسين والإنماء المستمرين لميكانيزمات الصناعة والخدمات التجارية، حاملا في جعبته العديد من الآليات والوسائل بغية تحقيق هذا الهدف. قد لا نعاين التحسن بطريقة لحظية، لكننا على يقين من أن عجلته تتقدم رويدا رويدا، والخطوات ستتكاثف يوما لتضحي أميالا، ويصير الازدهار واقعا معاشا. بينما خرجت العقول بمنهج وفلسفة لمرافقة تقدم المناهج والآلات وتطورها، أليس من الأولى أن يستهدف الإنسان نفسه قبل كل شيء باعتباره آلة الحياة الأولى والأهم؟ ويصبر على التزكية والتهذيب صبره على “كايزن” الصناعة والآلات؟ أليس من الحري به أن يداوم السيرورة ليشهد في ذاته الصيرورة؟

مقالات مرتبطة

يعيش الإنسان حالة من الازدواجية في التكوين والتوجه والخلقة؛ ففيه من طين الأرض من جانب، ومن نفخة الله في روحه من جانب آخر. لذللك فهو مزود بالقدرة على الخير والشر، ومخير بين الهدى والضلال. هكذا ذهب السيد قطب في حديثه عن التركيبة الإنسانية مدعما طرحه بقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. وما من شر يُلحقه الإنسان بنفسه أكبر من شر الفتور، والبرود والتلف العاطفي، ما من شر يصاب به أخطر من انجلاء النظر عن المعنى، والتيه في الدنيا دون سبيل يهتدي إليه. فإيجاد المعنى وبلوغ المغزى يستوجبان رحلة بحث دائمة دوام الروح المبثوثة في أجسادنا، لا توقف ولا تعب. ولئن كان البحث هو الداعي لتواجدنا في هذه الحياة، فإن هذا الدافع يجعل منا تواقين للتغذية الروحية رائمين إياها؛ لأنها المحرك والوقود لاستمرار البحث ودوامه.

من الأسئلة ما قد يكون: أنى السبيل لهذه الزخات؟ وكيف تتحقق هذه التزكية؟ وهنا أفتح الباب لنفسي كي أقول: ليس الداعي من هذا المقال أن أملي على قارئه الطريقة المثلى لتزكية النفس وتزويدها بما يشحذ كنهها، وإنما الغرض أن يستيقظ في نفوس القارئين الجموح، وتستولي على قلوبهم الرغبة، ويتملكهم التساؤل عن المعنى والمغزى من وجودهم على قيد الحياة. حينئذ فقط تتفتق السبل والطرق أمامهم ، وكل سيتخذ ما يلائم ويتماشى وحاجياته، مع أن المنتهى واحد لا جدال فيه…