لأنكم منا ونحن منكم..

357

لطالما ولا يزال يدهشي صمود وإصرار وإيمان الشعب الفلسطيني، شيبا وشبابا، وحتى أطفالا، كأنهم يرثون ذلك عن آبائهم وأجدادهم، يرضعونه في حليب أمهاتهم ويمر عبر أوردتهم فيجري فيها مجرى الدم، تجدهم ثابتين كشجرة الزيتون المعروفة عندهم، شامخة رغم كل الظروف لا يهزها شيء، حتى ملامحهم الحادة وعيونهم المتقدة تحكي ما يكنونه في صدورهم من غيرة على بلادهم وتمسكهم بعروبتهم وأرضهم ودينهم، أما عن فصاحتهم فعظيمة هي كلماتهم المنتقاة بعناية، وعجيبة هي عبارات التفائل والصبر والرضى التي تخرج من أفواههم، فتصيب فؤادك وضميرك وتشعرك بالخجل من نفسك.

كيف تتذمر وآلاء الله تحيط بك من كل الجهات، أكل متوفر على الدوام، ولباس وأحذية من مختلف الأنواع والأشكال، وبيت دافئ، وعائلة تحتويك، ومدخول قار، وماء وكهرباء، ومدارس حولك مجهزة عن آخرها مع خدمة النقل لو أحببت، تخرج من بيتك مطمئنا وترجع إليه مطمئنا فتجد أفراد عائلتك كما تركتهم آمنين معافين من غير سوء…وغيرها من الهبات التي قلما نلقي لها بالا لأننا اعتدناها، كأنها غير قابلة للزوال، نستبعد ذلك الاحتمال وكأنه لا يمكن أن يصيبنا فنخص به دائما غيرنا من الناس، وفوقها امتعاضنا المستمر لأتفه الأسباب حتى ينسينا شعور الامتنان والشكر على النعمة.

من منا ينسى الأناشيد الثورية التي ترددت على مسامعنا في طفولتنا فأنبتت فينا بذرة القضية المنسية، وأصبحت تنمو مع نمونا وتكبر فينا كلما كبرنا، قضية الوطن والكرامة والعروبة والذاكرة. كانت أول مرة أفهم فيها بوضوح ما يحدث في تلك البقعة من العالم عند سماعي لإنشاد طفلة في إحدى قنوات الكرتون، لا زلت أتذكر صوتها القوي الذي صدح بكلمات بدت أكبر بكثير من سنها، تلُفُّ حول عنقها الكوفية الفلسطينية وتنشد بتأثر واضح، والظاهر أن المقصود كان الطفل محمد الدرة.

من منا لا يذكر انتفاضة الأقصى الثانية وما عقبها من تبعات دامية لشباب عزل وأطفال ونساء وشيوخ، من منا ينسى الطفل الشهيد محمد الدرة ورصاص الاحتلال ينهال عليه من كل حدب وصوب، فمرة يخطئه وأخرى يصيبه إلى أن يرديه شهيدا، من منكم استطاع أن ينسى تلك الصورة وتلك اللحظات التي دامت دقائق أحسسناها دهورا، وهو يحتمي وراء والده متمسكا بقميصه وهذا الأخير يلوح أن أوقفوا القصف في مشهد اهتز له العالم هزا، فتنتقل روح الصغير إلى بارئها بين أحضان الوالد.

و إيمان حجو، الرضيعة ذات الأربعة أشهر التي استشهدت هي الأخرى بين أحضان والدتها بقذيفة اخترقت جسدها الصغير حتى تطايرت أشلائها أمام منزل عائلتها وأمام مرأى العالم في جريمة وحشية تضاف إلى السجل الحافل للكيان الصهيوني، جريمة يعاقب عليها القانون الدولي في مكان وظرف وسياق آخر؛ لأن قانون دولة بني صهيون فوق كل القوانين، وجرائم كهذه تبقى دائما استثناء ويشوبها الغموض وعدم الوضوح، فيجدون لها مليون ثغرة، وغيرهم الآلاف، فلا عجب لِمَ خَصَّ الله تعالى الشهداء بأعلى المقامات في الجنة.

من منا لم تحفر في ذاكرته تلك اللحظات المؤلمة التي عشناها ولا نزال وكلنا حسرة وألم ودموع تأبى إلا أن تنساب، كسيل محمل بأحزان تراكمت فانسكبت دفعة واحدة ويا ليتها تطفئ نار الحرقة في صدورنا، وذلك اللهيب الذي لا ينفك يشتعل كلما مرت أمامنا صور المجازر المقترفة بل والمفتعلة هناك دون وجه حق، تحت مسميات ومبررات ودوافع أقبح من الذنب نفسه لكنها لا تفعل.

أخبروني! على من العتب؟ أهي تلك الصفقات والتحالفات والمخططات المعلنة أمامنا، والأخريات تحت الطاولة لأنظمة غبية وأنانية أصبح آخر همها الإنسان؟ أم هي الملايين الخرساء من أولئك الذين تبنوا الصمت شعارهم والتجاهل مبدأهم؟ و كأن إخواننا هناك لا يعنوننا، وكأن القضية الفلسيطنية ليست بقضيتنا، بل والله هي كذلك، ويا للعار لأمة نائمة ولحكام خاضعين ذلولين صاروا ينتظرون الأوامر والإشارات من نظرائهم في الغرب.

أما نحن يا إخوتنا في تلك الأرض الطاهرة فلا نملك غير الدعاء لكم، وقلوبنا تنفطر عند أذيتكم راجية من الله نصرا قريبا لكم، ودموعا تنهمر مع بكاء نسائكم وأطفالكم عند مصابكم، وثغورا باسمة عند ابتسام شهدائكم فوق نعوشهم، وأملا به سبحانه أن يزيح الهم عنكم و يتولاكم ويحفظكم.