في سبع سنين!

377

يبقى المسكوت عنه دائما مؤلما؛ لأن نصف الألم يذهب عندما تجد من تشاركه همومك وأحزانك، من يسمع تأوهات قلبك ويرى الزفرات تخرج من روحك، فيهوي بيد حانية تمسح دمع عينيك أو ابتسامة مواساة تقول لك: لست وحدك يا صديق، أو يقوم فيخطب فيك خطبة جمعة مملة ينسيك سوؤها عذاباتك…

عندما انتهى الربيع العربي وخلف وراءه رماد اليأس ودموع الخذلان وجراحا غائرة تحكي غدر القدوات وبطش الحكام، وأفول قبس التغيير الذي زار سريعا ورحل بعد أن ترك الأنين يملأ أرجاء بلاد سبحت ببزوغه، وهللت عند اقتراب طلوعه، واستعدت له استعداد العاشق لمعشوقه، والغريب لوطنه والأم لولدها الأسير. جاء ذلك الربيع وكلنا مؤمن، ورحل عنا فإذا نحن زمر بعدد الهموم التي تفرقت في القلوب، بعضنا كفر وبعضنا بالسلاح تدجج وبعضنا تاه، وأغلبنا أحنى الرأس واستسلم للجلاد وأفاق من وهم التغيير…

الذين كفروا ربما كانوا أصدقنا عاطفة، آمنوا للحد الذي يجعلهم يصدمون فينقلبون رأسا على عقب، أما الذين اختاروا السلاح فأحسبهم أعز الناس نفوسا وأقواها على رد الضيم وأحكمها شكيمة…وبين الفئتين هناك فئة المتشككين الذين بقوا يتقلبون في لظى الحيرة ومتاهات الأجوبة التي تشبه ماء البحر كلما وصلت لجواب زادك عطشا وشكًّا، وبَدَلَ أن يبلغك لليقين زاد عليك جمار الشك والتيه…

في سنة 2011 كنت من الحالمين بزوال وجوه الظلم التي تسوسنا ورؤية وجوه أخرى، ولم أكن مهتما بأن تكون أسوء أو أفضل، فقط أحببت أن أرى وجها جديدا يقودنا، وكنت أعتبر ذلك التغيير من المعجزات، أن أرى زوال ذلك الغول الذي طاردنا ونحن صغار، وكان موجودا حتى في الحيطان، أردت أن أراه يختفي ويضمحل؛ لأنه مادام موجودا فإن ذلك الطفل الذي بداخلنا سيظل يهابه ولن يستطيع مواجهته…

كانت كلمات الشيوخ تلهب عواطفنا نحو الجهاد والموت في سببل الله والخلاص من أتعاب هذه الدنيا التي تسلط علينا فيها أبناء اللئام…فأخذت أبحث عبر مواقع التواصل عن كيفية العبور والتواصل مع المُجَنـِدين للذهاب لملاقاة الشهادة، غير أن الجبن والخوف والجدران التي لها آذان وعدم وجود من يأخذ بيدي كانت حائلا…لكن بعد أن كانت الخسارة في مصر وسوريا واليمن والمغرب…وبعد أن أستعاد الغيلان السيطرة من جديد شعرنا أنه لن يغير من حالنا شيئا، سوى استعمال بعض المخدرات كعلامات الساعة والقدر اللذان يهونان علينا الحياة ويجعلاننا نتقبل عيشة الذل…لتبدأ مرحلة مؤلمة جدا وهي مرحلة الشك، الشك في كل شيء ،في الله، وفي الطريق، وفي الحق وفي القدوات…

دافعت تلك الأسئلة مدافعة المقهور الذي غلب على أمره، وفي الأخير استسلمت لها، وأصبح الدين مجرد وجهة نظر، لم أعد أحمل من العواطف والمشاعر الملتهبة أي شيء، وعكس السابق عندما كنت أتحدث عن الجهاد بكل حماس، وأجادل وأناقش فكنت أجد من يسمع لي، لكن مرحلة الشك والحيرة لابد  فيها أن تغلق على نفسك وتخيط جرحك بيدك، هذا إن وجدت ما تخيط به الجرح؛ إذ غالبا لا تجد سوى ما يحول الجرح إلى قيح وصديد…
تجد أولئك المثاليين الذين لهم أجوبة جاهزة لكل سؤال، وتهمة حاضرة عندما لا تقبل الجواب، وترسانة من القصص والآيات والأحاديث لا يربطها سياق ولا يحكمها نظم سوى هم قائلها بأن يقيم عليك الحجة ويصدر حكمه الذي أعده سلفا إن أنت لم تقتنع…

كان حجم الخذلان كبيرا جدا في المؤسسة الدينية التقليدية؛ فلم تعد أجوبتها تقنع، ولا ترهيبها يخيف ولا بشاراتها تصدق، أصبحت في نظري كشريط معاد يتلى علينا صباح عشي، ولا يحمل سوى التكرار والاجترار لأربعة عشر قرنا… مع هذا شاءت الأقدار أن تجعل في طريقي بعض مصابيح الهدى ممن يعزفون على غير الوتر الذي عهدته، من يقبلون شكوكنا ويشاركوننا أسئلتنا ولا يدعون امتلاك الحقيقة…

وختامه إلى المثاليين الذين جعلوا أنفسهم قضاة على رقاب الخلق، ممن يظنون أنهم يملكون صك الحق لوحدهم…ارحموا الناس في أزماتهم، وارحموا الناس في شكوكهم، وارحموا الشباب في تساؤلاتهم…فلستم أربابا ولسنا لكم عبيدا…ونحن موجودون رغم مثاليكم الزائفة ورغم جحودكم بنا فلستم بأقرب إلى الله منا ولسنا بأبعد منه سبحانه…