متحدين نقف…متفرقين نسقط!

343

“متحدين، نقف…متفرقين، نسقط” عبارة قد تبدو مألوفة للبعض ممن تابعوا برنامج خواطر لأحمد الشقيري، هي عبارة من بين العديد من العبارات التي تصب في نفس المعنى وإن اختلفت الصيغ: في الاتحاد قوة.

لازلت أتذكر كم من النصوص القرائية والشعرية التي تحدثت عن قيمتي الاتحاد والتضامن طوال مسيرتي الدراسية. كان كلما طالبنا الأستاذ باستخلاص فكرة عامة، كنا نتسارع ونجيب بفخر: ينص الكاتب على أن الاتحاد محرك القوة، والتفرقة بداية الفشل والهوان. لكن ما إن نقلب الصفحة حتى ننسى كل ذلك فنرى تصرفات نقيضة لكل ما قيل.

إن سياسة التنافس أو المنافسة، وإن كانت على العموم أمرا إيجابيا يخلق جوا من الحماس بين صفوف التلاميذ والطلبة كي يكونوا دائمي السعي نحو الأفضل، إلا أنه وللأسف، نجد أن البعض تجاوز حدود المنافسة بطابعها الشريف والبريء، فصرنا أمام احتكار للمعلومات وإطفاء شمعة الآخر من أجل إشعال خاصتنا.

إن الرغبة في لمس النجوم وحيدا، والسعي من أجل تحقيق النجاح على حساب فشل الآخرين، والانتشاء بلذة بلوغ المنى وإن كان الأمر يكلف أنهارا من دموع المظلومين أو بكل بساطة: الرغبة الدفينة في امتلاك المعرفة بغية الظهور بشخصية العارف، والمثقف، والنابغة والمتعلم…كلها أوجه لنفس العملة التي تضع حدا فاصلا وجدارا سميكا يحول دون بناء مجتمعات قوية ومتماسكة. إن الجدار بتماسكه وصلابته، قادر على الوقوف بشموخ، لا لشيء، إلا لأن كل اللبنات متراصة بعضها فوق بعض. بالمماثلة، يمكن القول: إن الاتحاد هو إسمنت المجتمعات، الذي يلف ويؤلف بين قلوب الأفراد والمواطنين باعتبارهم اللبنة الأساسية وحجر الزاوية لأي مجتمع كيفما كان.

مقالات مرتبطة

إنه لمن دواعي الاستغراب أن نرى مجتمعاتنا العربية بهذا الكم الهائل من التوتر الذي يشوب العلاقات الدولية الخارجية، وهي التي تنطق بنفس اللغة (اللغة العربية) وتعتمد نفس الديانة الرسمية (الإسلام). فمع توفر مقادير تحضيره، يبقى التكتل والاتحاد بينها حلما ورديا، باطلا إلى أن يثبت هلاله. حروب، ومشادات، وفوضى عارمة بين دول هي الأكثر ترشيحا للتكتل، في حين نجد دول الاتحاد الأوروبي خير نموذج للتكاثف الدولي. فقد تمكنوا بالفعل من غض النظر عن كل الاختلافات وساروا على مبدأ “الاختلاف لا يشكل الخلاف.”
إن امتلاكهم للغات مختلفة وديانات متضاربة، لم يكن قط بالنسبة إليهم حاجزا أمام تحقيق الهدف المنشود، قرروا النظر إلى نصف الكأس المملوءة فكانت النتيجة إلغاء الحدود، وتوحيد العملة، وإلغاء التأشيرة واعتماد نفس جواز السفر…

خلاصة القول، إن الاتحاد قيمة إنسانية متجذرة في فطرتنا السليمة والنقية كبشر، فوجب علينا إذن، ألا نلوثها ونعكر صفاءها بأضغاث حقد، وأنانية وتمركز حول الذات على غرار “أنا، ومن بعدي الطوفان”.
إن تغيير المجتمعات قائم لا محالة على تغيير الفرد، وبما أن تغيير الفرد لا يمكن أن يتم إلا بالتلقين عبر عدة أجهزة على رأسها: الأسرة والمدرسة، كان لزاما أن نعود لنقطة البداية وأن نحاول غرس قيمة الاتحاد في نفوس التلاميذ والأبناء تطبيقا، لا قولا فقط . عامة، تكون الجائزة واحدة والفائز واحد، فتقام مسابقة لمعرفة من سيتوَج في الأخير، من الرابح ومن الفاشل أو بعبارة ألطف قليلا من الرابح ومن لم يحالفه الحظ. لكن في أرخبيل اليابان؛ حيث التربية على القيم وزرع الاتحاد في نفوس التلاميذ أمر ضروري بل وأساسي في رحلة بناء أي مواطن ياباني، قاموا بتعديلات، فتبقى الجائزة واحدة كالعادة، لكن الفائز ليس شخصا واحدا. القاعدة لديهم تقول: إما أن تتحدوا وتساعدوا بعضكم فتفوزوا جميعا، أو تتفرقوا فتخسروا جميعا.

فالأكيد أن بذهابك وحيدا ستصل إلى وجهتك بشكل أسرع، لكن حتما بذهابك برفقة جماعة ستصل إلى نقطة أبعد.