ماذا لو أصابنا المرض النفسي؟

290

لا أدري يا أصدقاء، هل نحن نعيش زمن القلق فعلا؟ هل كل الأشياء والأحداث والمواقف المتسارعة الني نخوضها كل يوم، هي من تدعونا للقلق؟ أم أن مناعتنا النفسية هي التي أصابها الضعف والهوان؟ حتى أصبح يتملكنا الخوف من الإصابة بالمرض النفسي؟ هل مساحة الأشخاص الإيجابيين في حياتنا باتت كل يوم تتقلص؟ أم أننا فقدنا الأمل في إيجاد الصديق المناسب الذي نصدقه في القول والعمل، ونعطيه من أوقاتنا وعطائنا أكثر مما ننتظر منه؟

أغلبنا يخاف من أن تصبيه شرارة هذا الداء الذي بات عدوى منتشرة حتى بين صفوف فئة الشباب، فكما نعرف أن عمر المرض النفسي ليس محدودا، ولا نعرف بالضبط متى يبدأ ولا متى ينتهي، ما يهم هنا الإشارة إليه، هو أن المرض النفسي تجربة نفسية وجدانية، هو رحلة في عوالم داخلية، مظلمة، ومقلقة ومؤثرة سلبا على درجة إقبالنا على الحياة والحب وفعل الخير، هو شعور بالضيق والانزعاج والنفور من أشياء كنا نحبها سلفا، هو ملل مستمر لا يفارق الروح والجسد، هو خوار في الحركة وضعف في النشاط، هو انسحاب من حياة اجتماعية مشتركة، هو إدمان على العيش في أحلام اليقظة، هو الهروب من تحمل المسؤولية، هو تغير في الطباع واختيار لا واعٍ لتعليق شماعة فشلنا على الآخرين، هو عجز وضعف عن التعامل مع المواقف الصعبة والصدمات الشديدة بشكل إيجابي.

ماذا فعلا لو أصابنا المرض النفسي؟ هذا السؤال عبارة عن فكرة سوداء تأكل من عافية صاحبها كل يوم، ترسله لدركات القلق القصوى، وتسافر به لحياة كلها تشاؤم، تدفنه وسط براكين التوقعات السلبية، فلنتخيلها كحاجز يحول بيننا وبين التمتع بالسعادة والحب، فلماذا يا أصدقاء نتوقع كل يوم أننا مرضى نفسيين ونحن بالكاد لم نُجرِ أي استشارة نفسية لدى متخصص لنحكم على أرواحنا هكذا حكم.
لماذا نضطر للبحث عن مجموعات افتراضية للبوح والفضفضة، لنسرد أسرارنا الشخصية، وتجاربنا الشخصية على أناس قد يحبون لنا الخير فعلا، لكنهم لم يعرفوا قصة حياتنا، ولم يعبروا معنا مراحل الطفولة والمراهقة والشباب، ولم يذوقوا حر الدمع معنا، ولم يشعروا بوخزة الضمير، وحرقة القلب، ولم يختبروا نفس الإحساس الصعب الذي ضاق بأرواحنا، هؤلاء الناس قد لا نتحلى بالشجاعة لنخبرهم أنني: “أنا الوحيد من تسبب لنفسي بكل هذه المعاناة”، كان ذلك حينما قبلت على نفسي الاستغلال أول يوم، حينما لجمت لساني عن قول: “لا” لأسترد ما بقي من كرامتي، أنا من أجَّلَت قرار إنهاء علاقة قتلت كل الجمال بداخلي، أنا من ضيعت فرص الاجتهاد وتحصيل معارف قد تطور من مجال دراستي وعملي، أنا من أنتظر من الآخرين أن يمدحوا شكلي ولباسي حتى أستمر على قيد الحياة.

نحن في العادة نتقاسم مع الغرباء مشاكلنا لنشعر بالدعم النفسي والطبطبة الروحية، وهذا كمن يشرب دواء وهميا لا يضر ولا ينفع، وإنما يوهم نفسه بأنه يبحث عن علاج ومخرج لضائقته النفسية.

أنا أؤمن بمبدأ ألا أضيع طاقتي في توقع حدوث المشاكل والأمراض، بل من واجبي أن أهيئ روحي وفكري للتكيف والتعامل مع كل جديد سواء كان مفرحا أم مفزعا، لأني قناعتي وتجربتي الميدانية في مجال الاستشارة والإرشاد النفسي أثبتت لي أن القوة الداخلية مكفولة لكل منا، نحن من نصنعها، ونحن من نرابط على قلوبنا وقت الشدة والبلاء، ونحن من نلتمس لأنفسنا العذر والتسامح وقت الضعف، نحن من نملك القدرة على تنقية وتصفية قلوبنا من كل التجارب المؤلمة والأشخاص السيئين، ونحن من يتخذ القرار سواء كان صحيحا أم خاطئا، لكن الأهم أن نغادر دائرة التردد ونطلق الحيرة، هذه القوة واللياقة النفسية لا تشترط أن نمتلك المعرفة بكل العلوم، ولا الحصول على شواهد دراسية عليا، بل هي مكاشفة صادقة مع النفس، هي شجاعة ورضى واستسلام داخلي لمسار الحياة دون تواكل ولا اتكال، هي تحمل جزء كبير من المسؤولية في تغيير ما نعيشه، هي مخاض ليس بالعسير لكن ثماره راحة بال وعلاقات إنسانية أكثر نضجا، هي عزم وقرار باللجوء لأهل التخصص والمعرفة، فكما لا نقبل أن نتوجه لطبيب متخصص في علاج العظام ونحن نعاني من ألم في الرأس، كذلك نفعل مع أعراض المرض النفسي إن وجدت.