مسرحية الحق والباطل

167

إن الكتب والمحاضرات حول التفكير النقدي والتحليل الموضوعيّ للحقائق والمعلومات في زمننا الحاضر كثيرة، ولكن تأثيرها الفعلي على الناس يكاد ينعدم أمام سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها سهلت نشر المعلومات بين روادها، بل واستغلال فكر الأفراد وتسيير أفكارهم إلى اتجاهات مظلمة. فقد أصبحت درجة مصداقية العديد من الأشخاص تقاس بعدد المتابعين ومدى شهرة أسمائهم على هذه المواقع، فتجد حفنة من متابعيهم من يستدلون بكلامهم ولو كان بعيدا عن مجال تخصصهم، وآخرون يمجدون الصواب في أقوالهم، فيما يترقب البعض الآخر زلاتهم وأخطاءهم ليبنوا على ذلك أحكاما قطعية.

والأخطر من ذلك أن مواقع التواصل الاجتماعي تسمح للكثرين بتبرير أقوالهم أو الدفاع عن الانتقادات الموجهة لهم من خلال الحديث عن نياتهم “الصالحة” وعواطفهم “الصادقة”، وتغليف عدوانيتهم ببعض الكلمات الراقية والجمل المتقنة التي لا يلاحظ فيها التلعثم في الكلام، وسرعة التّنفس وتحويل النظر، وغيرها من العلامات الجسدية التي تعبر عن حالة الإنسان الحقيقية ومقاصده. وبالتالي، يفتح الستار بمجرد تسجيلنا الدخول على موقع فايسبوك مثلا، لنشاهد مجانا مسرحيات مختلفة، غالبا ما يتألق في أدائها الممثلون…

إن من أكبر المسرحيات التي تجسد هذه التناقضات وأكثرها خلقا للجدل هي مسرحية “العلم والدين”، التي أصبحت أشاهدها كل يوم حتى حفظت نصها وكل أدوارها. فإن لم يكن الهدف من هذا المقال الخوض في أوجه الاختلاف والتوافق أو التكامل بين هذا وذاك، فلابد من نقد مسرحي، وإن كان من أصعب الممارسات النقدية التي لا أجيدها، أملا مني أن يحرك هذا في بعض الأشخاص تفكيرهم النقدي حول ما يقرؤونه على هذه المواقع أو يشاهدونه على قنوات التلفاز.

لا يكاد يخفى على أحد أن أسهل طريقة لتوجيه اختيار مجموعة من الناس وتغيير نظرتهم حول أمرين مختلفين، هو إبداء نقاط القوة وإيجابيات الأول، ومهاجمة الثاني بمحاولة إظهار نقاط ضعفه أو حدوده بإخراجه عن إطاره الذي وضع فيه. ونفس الحيلة تنطبق إذا كان المتواجهان مجموعتان من الناس يمثلان فكرة أو توجها معينا، فيكفي اختيار أقل شخص مهارة وإحاطة بالفكرة أو الأكثر سذاجة، ووضعه أمام شخص كارزميّ من المجموعة المقابلة يعتبر أكثرهم معرفة وثقة وفصاحة، لتحسم نتيجة المناظرة قبل بدايتها. نفس المشهد يتكرر باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل إيصال فكرة أو تحطيم أخرى.
وعلى نفس المنوال، غالبا مايتطرق “محاربو الخرافة” في مواضيعهم العلمية إلى الدين، أو بالأحرى إلى بعض الأوجه الخاطئة لاستغلال الدين أو سوء استعماله وفهمه، فيربطون في كل مرة تحليلهم المنطقي بالدين بحجة مواجهة الأفكار الخرافية وغيرها من المقاصد النبيلة وفقا لهم، ويغفلون أو يتغافلون على أنهم بذلك يضعون العلم والدين في علاقة مواجهة صراعية واضحة، في مسرحية موجهة لجمهور تختلف خلفياتهم وفئاتهم العمرية، فلو افترضنا أن جميع المشاهدين البالغين يتحلون بتفكير نقدي يسمح لهم بغربلة الأفكار وتحديد المفارقات، فإن طفلا لم يتجاوز العشر سنوات لن يتعلم من المسرحية سوى ذلك الصراع المفتعل. وليس الخطأ في اللجوء إلى العلم لمحاربة الخرافات التي بنيت على تصورات دينية، بل في طريقة إدراجه في الموضوع لصناعة ذلك المشهد المسرحي والصراع الدرامي، لنجعل بذلك من العلم “دينا” آخر، فيقال مثلا: “إن الدين كذا وكذا، وإن العلم هو أصل الحق والحقيقة كلها…”، أو أن يصبح العلم مقرونا بالإلحاد نتيجة لذلك. وكان الأحرى أن تواجه الخرافة والالتباس بما يقابلهما في الدين نفسه، حتى يُعطى حقه في الرد على ما يُواجهه من اتهامات، وأن يلعب العلم دوره في تبيان الحقائق “العلمية” وتفسيرها.

أما المشهد الثاني، فيبدأ بتقديم العلماء وتمجيد إنجازاتهم ومساهماتهم العظيمة، وذلك أمر لا ضرر فيه بل ولا بد منه، ولكن يتبع هذا في المقابل بترصد تعثرات رجال الدين والاستدلال بأقوال أقلهم علما وحنكة واعتدالا، أو تجميع أخطاء وزلات من لهم شهرة ومكانة رمزية في الوسط الديني وحصرها في فيديوهات غالبا ما تبدأ عناوينها بـ “تعرف على أخطاء …” وغيرها من العناوين الجذابة، والتي غالبا ما يهاجم فيها أصحابها بعض رجال الدين لمواجهة أشنع أخطائهم أو تجاوزاتهم واجتهاداتهم، بالدلائل المادية والقوانين الفيزيائية المحكمة، والتي -في حد ذاتها- تعتبر مواجهة متناقضة؛ إذ يوضع فيها التجريبي والنظري، والمرئي والمخفي، والمنهجي والاجتهادي على كفة واحدة، فإذا حصرنا هذا داخل إطار ديني، فإن مايقوم به أصحابنا أحيانا هو وضع الصنع الإلهي والتفسير البشري على نفس الكفة، وبالتالي، تفقد المقارنة توازنها و معناها.

وأبسط مثال لهذا، حينما أجد في يومنا هذا “محاربي الخرافة” يضعون حقيقة كروية الأرض، وهي صنع إلهي وحقيقة مرئية وتجريبية أصبح إثباتها أمرا ميسرا منذ عصور، في مواجهة تفسيرات وتخيلات بعض السطحيين ممن يدعون الإلمام بمعاني القرآن وعلومه، للتشهير بأخطائهم وتخاريفهم على حساب الدين، علاوة على كون نفس المراجع الدينية تدحض باطل أقاويلهم. وينتهي غالبا هذا المشهد بتصفيق الجماهير لانتصار العلم في مواجهته “التخاريف” الدينية.
وإن اعتبر “منورو العقول” أن بعض رجال الدين يتطفلون على الميدان العلمي ويخلطون بين الحقائق العلمية والتصورات الدينية، ويلومونهم على ذلك، فإنهم للأسف لا يتعلمون من أخطائهم بل ويواجهونهم بارتكاب الخطأ نفسه، وهو التطفل على الدين تحت شعار العلم. فإن لكل ميدان قوانينه ومنهجياته، سمه وترياقه، سالبه وموجبه، فكما تواجه النظرية العلمية بمثيلتها لدحضها أو تكميلها، يواجه تفسير النص الديني بتفسير واستدلال ديني أكثر شمولا وصحة طبقا لقواعد علم التفسير وعلوم اللغة والنحو والبلاغة، فكما كتبت آلاف الكتب حول المنهج العلمي مثلا، فإن أقلاما عديدة أفرغت كذلك من أجل نشر كتب حول قواعد التفسير وقواعد الترجيح عند المفسرين وغيرها من العلوم الشرعية واللغوية ولا ذنب للدين إن غلفها الغبار وجفت الأقلام في زمننا المعاصر…

أما المشهد الثالث، فهو المشهد الفكاهي الساخر، الذي يعتبره المخرجون أقل ضررا وأكثر ألفة. وإن كنا من عشاق الفكاهة، فلا يخفى على أحد أن بعض الممثلين الفكاهيين المشهورين قد أنهوا حياتهم بالانتحار، ومن الممكن أن تلك الروح المرحة التي أضحكت الملايين تركت جروحا عميقة داخلهم…وفي هذا المشهد، يلعب العلم دور الفيلسوف والحكيم الصامت، الذي لا يجرؤ أحد على التهكم عليه لكون ذلك لا يليق بشخص مثله، لتبدأ الفرجة حينما يدخل الدين في زي المهرج، فنراه حينا يلقي نكاتا مضحكة، ثم يعتاد عليها الجمهور فيتناقلونها عبر كل الوسائل. وحينا آخر يلعب أدوارا يتخذ فيها أشكالا غريبة لا هدف منها سوى إثارة الضحك والسخرية.

ومن بين هذه النكات الظريفة التي لا أكاد أحصيها، غير القديمة منها التي تتناول علامات الساعة والجنة والنار، هي نكتة الأعرابي الذي دخل على “قوم جالسين في أمان لله”. فنرى هذه النكتة تتخد أشكالا عديدة، ووجوها مضحكة أو مواقفة محرجة، فنعتاد على ذلك وترتسم الابتسامة على وجوهنا كلما رأينا “أعرابيا” في صورة من تلك الصور. إني بهذا لا أمهد لأي نظرية من نظريات المؤامرة، لكنها حقيقة فعلية تُثَبّت في عقلنا اللاواعي قبل كل شيء. فإن اعتيادنا على رؤية ممثل في دوره الكوميدي الذي لطالما أضحكنا يجعل من الصعب علينا أن نتقبل أي دور آخر أكثر جدية له. الأعراب من البدو الذين كانوا يعيشون خارج المدينة، فكلما مروا بها، ذهبوا إلى الرسول ﷺ ليسألوه، فقد ذكروا في مواضع كثيرة في القرآن والسنة النبوية. ولو انتشرت الأحاديث الصحيحة التي ذكر فيها الأعراب كما انتشرت تلك النكات، لانتفع ونفع بها كثيرا ممن يودون محاربة التشدد والخرافات. فإذا كان البعض يجعل الدين أكثر تعقيدا مما هو عليه، فإن أعرابيا أَتى النبي ﷺ فقال: “يَا رَسُول اللَّهِ دُلَّني عَلَى عمَل إِذا عمِلْتُهُ، دخَلْتُ الجنَّةَ. قَالَ: تَعْبُدُ اللَّه وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكاَة المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ: وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا أَزيدُ عَلى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلى هَذَا”. فماذا قد يستفيد من هذا الحديث مراهق لا يجيد الفصل بين المزح والجد وقد اعتاد الضحك على نكتة الأعاربي؟ ولم يعرف لهذه الكلمة من قبل معنا ولا أصلا إلا من تلك الصور الفكاهية الساخرة، وكيف لنا أن نحكم على مسرحية تقترن فيها الجدية بالعلم والفكاهة بالدين؟ ثم بعدها، حينما يراد إعطاء الدين طابع الجدية، نراها تقترن مباشرة بالتشدد والرجعية.

إنني من خلال هذا المقال، وباعتباري شخصا علمي التوجه، لا أحاول الانتقاص من دور العلم في تبيان الحقائق ومحاربة الجهل ونشر المعرفة، ولا أنتقد أشخاصا بل ممارسات محددة وأي تشابه في الشخصيات فهو من قبيل الصدفة. ولا أنكر أيضا صور الاستغلال الديني الفكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها من قِبل الدجالين والمتطرفين والسطحيين وتجار الدين. ولكن المغالطة تكمن في التوجه الحديث الذي أصبح يوازي بين العلم والدين تارة، ويخلط بينهما لتنقلب الأدوار تارة أخرى، مع كون الدين الإسلامي يقر بالدور الجوهري للعلم ويدعو إلى التسلح به، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.

إن العلم لم ولن يكون “دينا” أبدا وإلباسه ذلك اللباس هو تغييب لدوره الحقيقي، والكتب الدينية كذلك ليست مراجع “علمية” خامة، كما يجب علينا أن نعي أن الدين موجه لتنظيم حياة الأفراد كلهم مهما اختلفت خلفياتهم الفكرية والثقافية والمعرفية وظروفهم الزمنية والمكانية، فنفس الخطاب قد ينطبق على العالم كما على الأميّ، ودور العلماء والفقهاء يكمن في التوفيق بينهم، وقد يحاسب العالم على علمه للشيء ومخالفته له، كما قد يغفر للجاهل جهله به. وإنه كما يقع العتاب على بعض رجال الدين إذ يتناسون أهم القضايا الواقعية ويخوضون في مواضيع غيبية، أو علمية يخلطون فيها بين العلم والدين، من باب “الإعجاز العلمي” مثلا، فإن العتاب يقع كذلك على بعض من يعتبرون أنفسهم من مناصري العلوم، الذين يربطون العلم بما لا يصلح له فتراهم يتكلمون عن كتب الصحاح كصحيح البخاري ويفسرونها، وعن النقاب والأحكام الدينية التي وجب إرجاعها لرجال الدين وأهله، ويخلقون مشاهد صراعية بين العلم والدين لا هدف منها سوى خلق الجدل وصناعة الفرجة وكتابة سيناريوهات الخيال العلمي والأفلام الهوليوودية التي ينتصر فيها الخير على الشر.

ويكفي زيارة أحد مواقع التواصل الاجتماعي لتستمتع بكل تلك المشاهد. وأختم مقالي هذا بكلام نقلته وحفظته، ذكره مذيع وناشط كويتي في أحد برامجه:
“وظيفة العقل هو أن يستدل على الحقيقة، ووظيفة القلب هو أن يخلق فينا محبة الحقيقة…فإن أحببت الإسلام بقلبك قبل أن تتعرف عليه بعقلك سار بك إلى المجهول، وإذا عرفت الإسلام بعقلك ولم تعشقه بقلبك، فـنت لم تتعرف عليه بعد…عندما يكون الدين وسيلة للمجرم، أو مبررا لأن تكون الضحية، يصبح الدين حقا أفيون الشعوب.”