نظرية تأثير الفراشة

483

كيف ستكون ردة فعلك لو قلت لك إن: “تحريك جناح الفراشة في الصين سيتسبب بحدوث إعصار مدمر في أمريكا”؟
أغلبكم سيقول: ما هذا الهراء؟ وأي علاقة لشيء تافه كتحريك جناح فراشة بشيء كبير كالإعصار؟ لن أقول إنك على خطأ، ولكن سأضرب لك موعدا في آخر هذا المقال لنرى من منا سيقنع الآخر، حسنا؟

لعلك قد سمعت عن الطائرة الإثيوبية التي سقطت قبل أيام و مات جميع ركابها الذين بلغ عددهم 149، هناك شخص اسمه “أنتونيس مافروبولس” يوناني الأصل، كان قد حجز مقعده في الطائرة لكنه تأخر عن الرحلة بـ 120 ثانية، فما كان من عمال المطار إلا أن يغلقوا عليه الباب، فقابل هذا الفعل بالصراخ وعدم التصديق واتهمهم بالظلم؛ إذ كيف يعقل أن يتأخر بـ 120 ثانية فقط، أي دقيقتين من الزمن ويحرم من رحلته!! وفي النهاية عاد أدراجه مستسلما ليكتشف معنا جميعا أن الطائرة سقطت وأنه نجى من هذه الفاجعة بفضل دقيقتي فرق!

من منا لا يتذكر درس التاريخ الذي لا نستطيع نسيانه، الذي ردد في أوله: اندلعت الحرب العالمية الأولى بسبب اغتيال ولي عهد النمسا على يد طالب صربي، من منا كان ليصدق أن وفاة 8.5 مليون شخص جراء الحرب العالمية الأولى واندلاع هذه الأخيرة بالأصل كانت نتيجة مقتل شخص واحد؟

إذا تمعنا جيدا في الحدثين السابقين نجد أن أسباب وقوع الأحداث الكبيرة التي غيرت مجرى حياة الإنسان كان أول شرارات بدايتها شيء بسيط للغاية نهمله ولا نعيره قيمة، كالدقيقتين في الحدث الأول ومقتل شخص في الحدث الثاني…هذا الشيء البسيط والساذج بالنسبة لنا هو ما يطلق عليه: “تأثير الفراشة” والذي ينص على أن الأشياء البسيطة جدا والتي لا نكاد نراها أو نعطيها قيمة كفيلة -عاجلا أم آجلا- بخلق تغيرات عظيمة، وأنه ليس هناك شيء تافه في هذه الحياة، أو ثانوي، أو غير مهم، أو سواء وقع أم لم يقع لن يكون هناك تغيير، بل على العكس تماما، هذا الحدث لم يقع عبثا وله تبعات في المستقبل، فخروجك من منزلك ثم عودتك إليه بسبب نسيانك المفتاح غيّر الكثير من الأمور في حياتك دون أن تدري، والدقيقة التي تأخرت بها عن القطار وفاتك لها دور كبير فيما سيحدث لك مستقبلا، فلا تكن غبيا وتعتقد أنه سواء جاء في موعده أو تأخر فإن مستقبلك كان ليكون هو هو!

توفرك على درهم زائد يغير الكثير، كونك لك أخ يغير الكثير، بل حتى اسمك الشخصي إن تغير فإن حياتك كلها كانت لتتغير، ولا أقصد هنا أن للأسماء أفضلية على بعضها البعض بل أعني مثلا: لو كنت راكبا على متن الحافلة ونادت فتاة: عمر! الذي هو اسمك ستلتفت وربما ينشأ حديث بينك وبينها مع أنك قد لا تكون الشخص المطلوب، وتتطور الأمور فيما بينكم إلى صداقة أو غير ذلك، هذا الشيء لن يحدث طبعا إذا كان اسمك هو أحمد؛ لأنه وببساطة هذا هو تأثير الفراشة.

وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة عام 1963 على يد عالم الرياضيات والأرصاد إدوارد لويرنتز الذي حاول جمع المعادلات الرياضية للتنبؤ بالأحوال الجوية لفترة معينة، وقام بإدخال البيانات لأجهزة خاصة قام بتطويرها هو بنفسه ليكتشف تفاوتًا واختلافًا في النتائج عند تكرار التجربة، وذلك مرجعه إلى إهمال إدوارد لبعض الأعداد العشرية البسيطة التي لا يتم احتسابها عادةً، فوجد أن هذه الأعشار البسيطة في نظرنا هي ثقيلة ومهمة وتُحدث فرقًا عند التكرار، مما دفعه لإطلاق نظرية “تأثير الفراشة” والتي تنص على أن تحريك جناح الفراشة في الصين قد يتسبب بحدوث إعصار مدمر في أمريكا، وإذا قلنا قد يتسبب فإننا نقول: إنه ليس السبب المباشر والفعلي، ولكنه اللبنة الأساس الأولى التي تتوالى بعدها اللبنات لتحدث الإعصار.

وإذا ما أردنا تفسير النظرية بشكل منطقي فيمكننا القول: إنها تعني أن أي عمل ولو كان صغيرًا ومتجاوزا سيؤثر ولو بشكل غير مباشر على أحداث أخرى، دون تحديد وقت معين؛ إذ قد يحدث التغيير بعد يوم أو سنة أو أكثر، لكن الأكيد أن لا شيء يحدث اعتباطيا ووحيدا ومنفصلا.

قد تسألني وماذا أستفيد أنا من معرفة وتصديق هذا القول؟! سأقول لك: إن المواقف الصغيرة التي لا نلاحظها حتى ولا نعطيها أية قيمة كفيلة بتغيير حياة البشر؛ إذ إن كلمة إطراء وإعجاب برسم طفل صغير سيشجعه على الاستمرار وصقل موهبته ليصبح في المستقبل فنانا ناجحا، بينما كلمة تنقيص ونعت ما يقوم به بأنه ساذج ومجرد خربشات عقيمة سيجعله يصدق كلامك؛ إذ يعتبرك والده أو عمه أو ذاك الشخص الناضج في عينيه وبالتالي سيصدق ما تقول ليُمزق الرسم ويُشيّع جنازة تلك الملكة الإبداعية فيه قبل أن ترى النور.

وبالتالي يجب أن ننتقي جيدا الكلمات والحركات، ونعطي قيمة للدقيقة والثانية؛ إذ لا شيء غير مهم ولا شيء عبثي، فحتى مصادفتك لهذا المنشور بالضبط واستغراقك في قراءته قد يُغير من حياتك فيما بعد؛ إذ كان ممكنا عدم قراءته أو مصادفة مقال آخر…وتشبُّعُ ذهنك ببعض أفكاره قد تقف عندها يوما لتعمل بها وتغير حياة شخص ما.
أخيرا وليس آخرا: أما زلت تظن أن تحريك جناح الفراشة لا يمكن أن يؤدي للإعصار في أمريكا؟