على سبيل الابتلاء

341

ولأن الحياة صارت بهذا الكم الهائل من الكدر والشقاء صرنا ملزمين بأن نتماشى مع وتيرة سيرها لننال منها الحظ الأوفر من البؤس، مع أننا نعلم أنها دار شقاء وابتلاء، نتناسى كل هذا ونستمر في السعي وراء السعادة الزائفة، سعيا يوقعنا بين شراك الحياة فلا تلبث هاته الأخيرة تلقننا دروسا نعلمها من ألفها إلى يائها، لكن نأبى أن نعي حقيقتها ونأخذها على محمل الجد. دائما ما نوصد أبواب عقولنا عن الإدراك ونبقى مصرين على ملاحقتها وكأن بلوغها غاية كل الوجود.

في هذه الدنيا كثيرا ما نتيه عن الغاية ونلهث وراء ملهيات لا تكاد تشبعنا بل تضلنا، في كل مرة نزعم أننا فهمنا الحياة وأوشكنا أن ننال منها ما نريد، نجدها هي التي تنال منا. فلأن كوننا كائن روحاني لا يستطيع كل من على الأرض من أموال وألقاب أن يملأ جوفنا فمهما امتلكنا مما يبقى في الدنيا يزداد فراغنا وإحساسنا بالبعد عن ذواتنا. وما أكثر هذا الإحساس في زمننا، فنحن في زمن لكثرة ما فيه من إنجازات لم تبق للقيم والروحانيات أدنى مرتبة أو أولوية، أصبحنا نعبث بأرواحنا في كل ثانية. متجاهلين قيمتها ولذلك نخسر معاركنا لأننا نخوض صراعا، جيشُنا وسلاحُنا فيه يشكل عدوا لنا.

إن سألنا معظم الناس عن هذا الواقع لأجابونا بالمثل، ولو استظهروا علينا كل حكم السابقين في الحياة. إذن فلم كل هذا العبث تجاه حقيقة الحياة؟ الأمر في جوهره هو أن الحياة كلها ابتلاءات لكنها تأتينا كل مرة على شكل سلعة بتسويقات مختلفة، نعرف تماما أن كل نقمة هي في كينونتها نعمة. فما النعمة إذن من الابتلاء؟

لولا الابتلاء لما أدركنا حقيقة أنفسنا الضعيفة، ولما لبينا نداء الخالق للتعبد والفرار إليه عز وجل ولما التمسنا رحمته الواسعة حمودناه على نعمه التى كلما فقدناها أحسسنا بها. فالقليل منا من يأتي ربَّه طوعا وأغلبنا مغلوب على أمره ولولا رحمة مِنْه للبثنا في دواماتنا نصارع أنفسنا كي ننال الحياة الدنيا.

و على سبيل الابتلاء هنالك الأسقام، وأغلب الظن أن العامة من الناس تعلم أن الأسقام التي تصيبنا أثناء رحلة حياتنا هي ابتلاء محض، وينسون أنه مع كل ابتلاء هبة ومع كل محنة منحة، لا يدركون الجانب الإيجابي للأمراض التي تمر بنا، فنحن تعودنا على النظرة السطحية للأشياء وتجاهل معانيها المتعددة، فكل ما يحدث لنا لسبب وكذلك الحال مع الابتلاء أيا كان…

 

يقول تعالى في كتابه الكريم: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}  فهل تساءلنا يوما عن الخير الذي جعل لنا في الابتلاء بالأمراض. لهذا الإبتلاء منافع روحانية منها التقرب من خالقنا وإحساسنا الخالص بالدونية والعبودية له عمن سواه، فضلا عن تكفيره لذنوبنا؛ فلو علمنا كم يغفر لنا الله من خطايا وذنوب عند الأسقام، لتمنينا حين تعج حياتنا بالمتاعب والهموم ونحن نلهث وراء أوهام الدنيا لتمنينا أن يبتلينا ربنا بمرض يكفر به عنا سيئاتنا ويرزقنا الثواب جزاء على صبرنا. من إيجابيات المرض أيضا أنه يمنحنا الفرصة كي نختلي بذواتنا ونجلس في صمت يزكي أرواحنا فمثل هاته الجلسات تدفع لها الأموال بتسمية حصص لليوغا، حمدا لله على كل الجلسات المجانية التي أجبرتنا على مراجعة ذواتنا وإصلاح علاقتنا معه عز وجل ومع نفحة الروح فينا، ليس كل مرض يصلحنا فالشرط الوحيد لبلوغ هذا الإصلاح ألا نشعر بالسخط على الوضع وأن نصبر لننال الثواب وننعم بالتزكية الروحية.

أما عن منافع المرض في الحياة الدنيا، فهي تعتبر بمثابة صرخة نداء صامتة من أرواحنا طالبة إعادة التوازن بين الجانب الروحي والجوانب الأخرى للذات، تماما كما تصفر صفارة الإنذار عند حدوث أي طارئ ،حين ترهقنا الحياة ونسقط في مطباتها، تصرخ أرواحنا على شكل وعكة صحية، راجية منا الالتفات لها ومنحها زمام القيادة. هاته الوعكات تعتبر بمثابة رد فعل من الجسم تخبرنا أن نمط الحياة الذي كنا نسلكه ضارٌّ لصحتنا الروحية أولا بالموازاة مع صحتنا الجسدية، و كل ما يتوجب علينا تجاهه هو إعادة ترتيب للقيم والمبادئ التي نعتبرها ذات أولوية ملحة في حياتنا عما دونها، أو تحديثها إن لزم الأمر ذلك.

كل هذا الابتلاء يجعلنا نولي أهمية لذواتنا مذكرا إيانا أننا محور أنفسنا وأن لا شيء يعلو أهمية عن راحتنا الروحية وقيمنا، كما يكشف لنا الحقيقة المجهولة وهي أن السبيل لمرضاة الخالق يكمن داخلنا لكننا معتوهو البصائر، يقول المفكر عدنان ابراهيم: “ابحث عن ذهبك تحت طينك”، فلكل منا ذهبه ألا وهو روحه النقية يكفي أن يهم بالبحث عنها.

كل هذه الأمور ليست ببعيدة عن واقعنا، فكم من شخص غير مسار حياته للأفضل بعد شفائه من مرض أو خروجه من أزمة، وتغيرت معه زاوية رؤيته للحياة وأصبح يعي حقيقتها معيدا التوازن بين مبادئ روحه ومطالب جسده. وأصبح يعرف من هم جنوده الأوفياء في معركة الحياة الضارية، إلى أن يأتي وقت تنسيه الحياة حقيقتها وبذلك تكون بداية صرخة جديدة للإصلاح والسمو الروحي.