محطات العلاقات

535

لطالما كنت مؤمنة بأن الحياة عبارة عن رحلة، قد تطول مدتها أحيانا وقد تقصر أحيانا أخرى، إنها رحلة خصص في بداياتها لكل واحد منا حافلة، ومن المعلوم والمعروف انه لكل حافلة وجهة، وجهة نسلكها منذ نعومة أظافرنا، باحثين عن ذواتنا بين أزقة ودروب الحياة المتعددة، أزقة قد تجعلنا نلتقي ونصادف أشخاصا شبيهين بنا وآخرين مختلفين عنا، أشخاص من بيئات متباينة الأسس والركائز، أشخاص ذوو توجهات أخرى، وأفكار مغايرة لتلك التي نشأنا عليها، إنهم عموما أناس شاء القدر أن يضعهم على مرأى من ناظرنا، ونحن في طريقنا للوصول إلى مقاصدنا، طريقنا الوحيد المخصص لتحقيق غاياتنا وأهدافنا.

إنه لمن الجدير بالذكر، أن لا أحد على وجه البسيطة قادر على خوض غمار هذه الرحلة منفردا بذاته ومنعزلا عن الآخرين، لهذا السبب وُجِدت ما أسميتها دائما بمحطات العلاقات، إنها تلك المحطات التي تغير من رتابة الحياة، وتكسر الروتين اليومي، معلنة بذلك عن بداية قصة جديدة أو بالأحرى بداية تجربة فريدة من نوعها، مع كل شخص جديد نصادفه، تتغير في أرواحنا وفي طرق تفكيرنا أشياء متعددة، أشياء حسبناها لزمن طويل بمثابة مسلمات، غير قابلة للنقاش أو التعديل فما بالكم بالتغيير الجذري.

فمع ظهور أي شخص جديد، نجد أنفسنا مولعين بالبدايات أو بمعنى آخر متحمسين لمقدمات الكلام، محاولين اكتشاف ما في جعبة الآخرين من أحاديث وأقاويل، راغبين في معرفة تجاربهم، ومكاسبهم وانتكاساتهم، إلا أنه في مقابل هذا الكم الهائل من التهور والتسرع الذي يميز بعضنا، نجد من الرحالة أناسا كثيرين يفضلون التريث والتروي، فتجارب الحياة قد علمتهم الكثير، علمتهم دروسا في الصميم، سواء بالطريقة السهلة أو الصعبة، ليصبح موضوع تعرفهم على أناس جدد ودخولهم في علاقات حديثة، رهينا بمجموعة من المعايير الانتقائية، التي قد تكون في مجملها بسيطة، إلا أنها تبرز بشكل كبير جوهر الشخص ومعدنه، فمن المحتمل أن تكون إحداها عبارة عن كلمة طيبة، أو موقفا إنسانيا بسيطا، ومن الممكن أيضا أن تتمثل في أسلوب النقاش أو طريقة الحديث… عموما، دائما ما تتغير هذه الأساليب، لكن النتيجة تبقى واحدة، إما ستتوج هذه العلاقات بالاستمرارية أو ستضمحل بالتخلي.

جل هذه العلاقات كيفما كان نوعها، تقسم حسب وجهة نظري إلى ثلاثة أنواع، كل واحدة منها تقسم وتصنف حسب الفترة الزمنية التي قضتها أو امتدت بها، فأولها تتمثل في تلك العلاقات البسيطة المؤقتة، وثانيها تتجسد في علاقات متوسطة الأمد، وآخرها، أقلها وأندرها هي تلك العلاقات التي تتميز بطولها، إنها تلك العلاقات التي لم تخضع يوما لعامل الزمن ولم تفرق شملها رياح المواقف ولم تضعف قوتها مطبات الحياة.

أولها: ما أسميتها بالعلاقات البسيطة المؤقتة، قد تشمل محطة، أو محطتين أو ثلاث من رحلة حياتنا، لكن هذا النوع من العلاقات لا يكتب له الاستمرار أكثر من ذلك، لكونه محكوما منذ بداياته بالفشل، فهذا النوع غالبا ما يكون لحظيا أو ذا بعد نفعي استنزافي، ولعلي أعلم جيدا أنه لا عيب في قضاء المصالح والحوائج في ظل علاقة ما، لكن العيب الأكبر هو أن تبنى ركائز هذه الأخيرة على أساس الاستغلال الفردي، سواء كان استغلالا ماديا أو معنويا، إضافة إلى ذلك، فقد يضم هذا النوع أيضا مجموعة من العلاقات السامة والتي أقصد بها تلك العلاقات المحبطة التي تعكر صفو الراحة النفسية، وتكسر دعائم الثقة الشخصية، ومن الممكن أيضا أن ندرج فيه مجموعة من العلاقات السطحية أو العابرة، والتي لا تكمن الغاية منها في صقل شخصيتنا وتحديد مسار حياتنا، بقدر ما يكون الهدف منها توضيح الاختلاف الكبير الذي تتميز به كل شخصية على حدة؛ بحيث نتعلم من خلالها أن في الاختلاف حكمة، وفي تقبله والتعايش معه سموا وارتقاء.

أما ثانيها: فهي تلك العلاقات المتميزة بمتوسط أمدها، والتي تستمر لمدة زمنية لا بأس بها، وغالبا ما تكون مفعمة بتجارب مميزة، فريدة من نوعها، كل تجربة جديدة ذات طابع مختلف خاص بها، تنفرد به عن غيرها أو عن سابقاتها، إلا أنها هي الأخرى وللأسف تصل إلى نهايتها، عند مفترق طرق معين أو عند محطة نزول محددة، غير مدركين لأسبابها أو مظاهرها، وذلك نتيجة لتعددها وغموضها أحيانا؛ حيث تشمل بين الفينة والأخرى تعارض المسارات والاهداف، أو تضارب المصالح والغايات، وقد تكون أسبابها ايضا عبارة عن سوء تفاهم تفاقمت نتائجه، أو عبارة عن أسباب أخرى مبهمة ومخفية، كل واحد منا يضمرها في قرارة نفسه.
و غالبا ما تأتي هذه النهايات بعد فترة مهمة وممتدة من المؤشرات المتراكمة والدالة على مقربة حدوثها، والتي تسهل علينا أحيانا مهمة تقبل واستيعاب مثل هذه الخسارات وتداعياتها، إلا أنها قد تأتي أيضا على هيئة اختفاء مباغت دون أي سابق إندار أو إشعار، اختفاء يحمل بين طياته مجموعة من التساؤلات، التي تستوطن أدمغتنا أو بالأحرى تسكن تفكيرنا باحثين لها عن تفسيرات، وتبريرات وأعذار تخفف من هول وتأثير الصدمة، لتنطلق بعدها مرحلة جديدة من حياتنا ننسى خلالها كل ما سبق، مانحين لأنفسنا أحقية الاستمرار والتخطي، وذلك للمضي قدما في رحلة حياتنا، إلا أنه في كثير من الأحيان يتعذر علينا النسيان، فنتشبث بأبسط مظاهر التناسي والتغافل، لعلها تكون طوق النجاة الذي ينقلنا إلى بر الأمان، هذا الأسلوب دائما ما يؤتي أكله، ليكون بذلك الأنجع والأفضل، ليكون بذلك المرحلة الأولية والانطلاقة الفعلية لعملية النسيان الكلي، نسيان رهين بعملية الصفح والسماح، رهين بتخطي معالم الأزمات، وغضب النهايات، وتذكر واستحضار ما كان من المواقف والأحداث النبيلة التي ترسخت في الذاكرة.

و فيما يخص آخر صنف، فلعل اسمه لوحده كفيل بالحديث عنه، لعله الصنف الفريد من نوعه، لعله كما عبرت عنه سابقا بتلك العلاقات التي لم تخضع يوما لعامل الزمن ولم تفرق شملها رياح المواقف ولم تضعف قوتها مطبات الحياة، إنها تلك العلاقات التي ظلت متماسكة مع طول الغياب، وبعد المسافات، إنها تلك التي صمدت في وجه مجموعة من الإكراهات والتحديات، إنها تلك العلاقات السامية التي بدأت معنا رحلة حياتنا ومشوارنا في البحث عن ذاتنا وماهيتنا، إنها تلك التي صقلت شخصيتنا منذ طفولتنا وانتشلتنا من ضعفنا أياما عديدة وليال طوال، إنها العلاقات التي لطالما قدمت لنا الكثير مما في جعبتها ولا زالت كذلك، بدون طلب لأي مقابل أو تعويض، فنجاحنا من نجاحهم، وحزننا من حزنهم، فهم من اختاروا مساندتنا والوقوف إلى جانبنا في الضراء قبل السراء، هم من بدأنا بهم وسننتهي معهم.

و بالتالي كيفما كان صنف أو نوع هذه العلاقات، فقد كان مقدرا لنا المرور بها وعيشها، وذلك لتعلم مجموعة من الدروس والعبر، ولاكتشاف جوانب أخرى متعددة من شخصيتنا، لم يكن بمقدورنا التعرف عليها أو اكتشافها من قبل، إضافة إلى تمكن أرواحنا من اكتساب سبل الدفاع ومقومات التحصين الذاتي، التي تجعلنا أكثر صلابة أمام الصعوبات والعراقيل، وتمنحنا دفعة ايجابية قوية تجاه الصمود بدل الاحباط والانهزام، لذلك لا يحزنكم انتهاء علاقة ما (صداقة – زمالة – معرفة)، فلو كان مقدرا لها الاستمرار لاستمرت دون أية معيقات، لذلك تذكر دائما أنك على الأقل لم تخرج منها خالي الوفاض بل استفدت الكثير.