اللغز الياباني

2٬210

إن السفر، في الواقع، ليس غايةً في حد ذاته، وإنما يكون القصد، أصالةً، هو اكتشاف ثقافات الشعوب وأنماط عيشهم، لاستلهام نجاحاتهم، والاعتبار بإخفاقاتهم. ومن أهم ما قد يُثير فضول الشخص الذي يزور اليابان هو سمة الانضباط والتفاني في العمل لدى الشعب الياباني. هذا الفضول نفسُه هو الذي دفعني إلى طرح هذا السؤال على أحد المرشدين السياحيين الذي كان يرافقنا في هذه التجربة، والذي يحاول أن يقدم لنا بعض التفسيرات حول نمط عيش اليابانيين، خصوصا سكان المدن الذين يمثلون السواد الأعظم من سكان هذا البلد. كان سؤالي عن السر وراء هذه الثقافة؟ أعني ثقافة الانضباط والتفاني في العمل والاحترام الشديد للمواعيد..

بعد أن فهم سؤالي جيدا، بدأ يجيبني، غير أن إجابته الأولى كانت عامةً، ولم تَضع حدّاً لفضولي؛ وذلك أنه قال: من الطبيعي أن يتعلق الإنسان بالعمل؛ فالعمل هو الذي يضفي المعنى على حياة الناس، وغالب الناس يحققون شخصياتهم من خلال العمل.
بعد أن سمعتُ إجابته، اعترضتُ عليها بالقول: إن هذه الإجابة قاصرةٌ عن تفسير هذا التميز الياباني؛ وذلك أن فلسفات الشعوب كلها قائمة على تمجيد العمل، والتنويه به، بل وتعتبره حقا من حقوقها، وهذا تجده منصوصا في دساتير معظم الدول. فما الذي يميِّز الياباني والشعب الياباني، إذن، ويجعلهم مخلصين ومتفانين في عملهم، ومنضبطين في التزاماتهم ومواعيدهم؟ واستطاعوا، بفضل ذلك، أن ينتقلوا، في ظرف أربعين سنة فقط، من دولة مدمرة، إلى ثالث قوة اقتصادية في العالم، من حيث الناتج الإجمالي المحلي!

أدرك قصدي، وعلِم أنني أبحث عن الأسرار المتجذرة والمترسخة في اللاوعي الياباني وتشربها الأفراد منذ أن كانوا رضّاعاً، ولستُ أبحث عن إجابات عامة، أو أحاول تمضية الوقت بملء الفراغ بأسئلة لستُ مهتما بإجاباتها. فشرعَ يتحدثُ، وكان من بين ما علق في ذهني من كلامه أن الإنسان الياباني منذ أن يولد، يتم تربيته على أمرٍ أساسي، وهو أنه، كفرد، جزء لا يتجزأ من منظومة متكاملة، وأن له دورا مؤثرا للغاية في هذه المنظومة، فهو عنصر أساسي لتحقيق الانسجام والتوازن في بلده، ومن تم في العالم أجمعَ. فإذا هو أخلَّ بهذا الدور الذي أُنيط به فإن ذلك سيؤدي، حتما، إلى الإضرار بوطنه. وهذه المسؤولية التي يتم تربية الأفراد عليها هي ما يجعل كل واحد منهم، من جميع الطوائف، يحرص غاية الحرص على أن لا يتهاون في أداء واجبه، وأن لا يُخيب انتظارات وطنه منه، وإن كان ذلك على حساب مصلحته الشخصية أحيانا.. إن هذا الحس يجعله يضع نُصْبَ عينيه دائماً أن وراءه وطناً بأكمله يتوقف انسجامه وتوازنه وتطوره عليه هو، ولذلك يبقى محافظا على تركيزه ونشاطه وتفانيه في العمل.

إن جذور هذه الثقافة، حسب مرشدنا السياحي، تم استمدادها من بعض الديانات الشرقية المنتشرة في اليابان، كالشونتيزم والبوذية، وهما الأكثر انتشارا في اليابان. فالبوذية، مثلا، ترى أن الإنسان جزء لا يتجزأ من الكون، وكل تخاذل منه في أداء واجبه إلا ويؤدي إلا اختلال توازن الكون بأجمعه. وقد أسهم تشرُّبُ هذه الفكرة وتمثُّلها في السلوك اليومي لدى اليابانيين إلى ما نراه من الانضباط والتفاني في العمل. وهذه التعاليم الدينية تم توارثها جيلا عن جيل حتى أصبحت مترسخة في الثقافة واللاوعي اليابانيَّــيْن.
وهذه التعاليم لا تبقى حبيسة الأفكار النظرية، بل يتم ترسيخها من خلال إجراءات تطبيقية، بحيث ينشأ الناشئ فيها وهي متمثلة أمام عينيه في كل مراحله، ولذلك يُصبح هو أيضا متمثِّلا لتلك التعاليم في سلوكه اليومي. وكمثال على ذلك، قضية الحرص على النظافة مثلا، فإن الطفل منذ السنوات الأولى له في المدرسة، يتم اعتباره هو المسؤول عن نظافة المدرسة. فكل يوم، عندما ينتهي الدرس، يقوم الأطفال بتنظيف الأقسام، ويكون لكل طفل دور معين في هذه المهمة، وهذا السلوك البسيط يصبح، بفعل التكرار، أمرا فطريا بالنسبة للفرد الياباني؛ بحيث لا تكون لديه القابلية للتكيف مع الفوضى والأزبال المرمية في كل مكان؛ لأنه تشرّب ثقافة النظام والنظافة في البيت والمدرسة منذ أن كان رضيعا إلى أن صار طفلا إلى أن غدا راشدا مسؤولا.

ومن الأشياء التي لفتت انتباهي أيضا في كلام هذا المرشد السياحي أن هذه التربية تجعلُ الفرد الياباني يعمل لصالح وطنه، لا لنفسه، وهذا التقديم للمجموع على حساب الفرد من بين أسباب تفوق اليابانيين على الصينيين؛ لأن الصيني يرى ذاته شخصا مستقلا يعمل لمصلحته أولا وأخيرا، في الوقت الذي يقوم الياباني بما يقوم به تحت الشعور بكونه ليس مسؤولا فقط عن ذاته ومصالحه الشخصية، وإنما هو مسؤول، في المقام الأول، عن مجتمعه ووطنه، ومن تم يجد من السهولة أن يضحي بنفسه من أجل المصلحة العامة. وهذا السلوك يرجع إلى ثقافة الساموراي الذي كان يقتل نفسه بنفسه أمام قومه إذا أخطأ في الحرب، وخسروا الحرب بسببه؛ لأنه يرى أنه سبب الفشل في الحرب.

لعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف استطاع اليابانيون الحفاظ على هذه الثقافة إلى قرون كثيرة؟
في الواقع، تفطن هذا الشخص إلى أن هذا السؤال سيُطرح عليه، ولذلك بيّن أن الحفاظ على هذه الثقافة يرجع الفضل فيه إلى سلسلة من الإمبراطوريين اليابانيين الذين تعاقبوا على حكم هذه الإمبراطورية عبر التاريخ؛ فبقاء هذه الإمبراطورية لقرون عديدة، أسهم بشكل رئيسي في الحفاظ على هذه الثقافة والتقاليد وفي ضمان استمراريتها. كما أن الملاءمة بينها وبين الحداثة وقيم الرأسمالية أيضا كان من بين الأسباب التي أبقت على هذه التعاليم والثقافة. بل تمّ استثمار هذه الثقافة لخدمة الاقتصاد الياباني الرأسمالي، لتصبح اليابان رقماً اقتصاديا عالميا، يُضرب به المثل.
وهذه الإجابة، في الواقع، أكثر عمقاً، وأقوم منطقاً، من الإجابة الأولى، وهي تصلُح لتفسير الكثير من السلوكات اليابانية التي قد تبدو للغريب من أمثالي مثيرة للاستغراب والإعجاب في الوقت ذاته. ولكن كما يقال: إذا عُرِف السبب، بُطِل العجب. ولا يزال من بين عيوب المعرفة أنها تَـرْفعُ الدهشة، وتُصيّر المُدهش مفسَّراً مألوفاً.