وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم

496

الحياة رحلة شيقة، لا تدري في أي محطة من محطاتها ستركب، ولا في أي مقعد من قطارها ستجلس، وعلى أي نافذة ستطل، و لا مع من ستبقى، أو من سيرحل ليتركك تجابهها وحدك… حياة كل واحد منا ليست بمخطط نخططه ونكتبه كيفما نشاء، هي ليست دائما رحلة سهلة مفروشة بالورود ورائحة
العطر الزكية، كما أنها ليست دائما شقية محفوفة بالمخاطر ومحفورة بالأشواك، لكل وقت محطته، ولكل إنسان نصيبه من الفرح والحزن، ولكل حياة ذكريات ودروس تحفر في قلب الإنسان للأبد…

يظل الإنسان مشغولا طوال الوقت بالتفكير والتخطيط لحياته، يفكر في مستقبله، في ما يملك وما لا يملك وما يحب أن يملك، يحاول جاهدا تحقيق أحلامه بأي طريقة واضعا إياها كهدف يعمل عليه ليل نهار، وينسى أنه لا يملك قلما سحريا يكتب به حياته بيديه، إلى أن يأتي يوم يقع فيه ما لم يكن في الحسبان، حدث ما، أو موت ما، أو فراق ما، أو إخفاق ما، يجعله مضطرا لتغيير مسار حياته بالكامل، فينهار بذلك ليفقد الطعم الذي كان يجعله يتشبت بحبل الحياة…
للأسف، أحيانا ننسى أن من يتحكم ويخطط لحياتنا أفضل وأحكم منا بكثير، أنه مهما بلغت إرادتنا لشيء، فلا مانع ولا حاجز يقف أمام إرادته هو سبحانه وتعالى، ننسى أنه هو يعلم الغيب والسر، أنه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا نحن، يعلم الخير من الشر، وأنه إذا لم يجعل تيسيره في أمر ما أردته بقوة، فهذا يعني أن لا خير في ذلك المبتغى أبدا..


فلو أننا تقبلنا كل مشكلة، أو فراق، أو إخفاق بصدر رحب راضين بقضاء الله وقدره، لو أننا رأينا الأمور دائما من زاوية أخرى وحاولنا أن نضع الثقة في الخالق عز وجل، لخفف علينا الكثير من الألم والضيق والشعور بالندم…فكم من خطوة لم ننجح فيها قبلا، لكن ومع مرور الوقت، اكتشفنا أن ذاك الفشل جعلنا أكثر قوة وعزما وإصرارا لتحقيق الأفضل والمزيد، وكم من حب تركنا في نصف الطريق، غير مصدقين ومتقبلين لهذا الرحيل المفاجئ، ثم اكتشفنا بعد ذلك
أننا تعلمنا الكثير بهجرانه، وأنه لو بقي ما كنا لنكون سعداء أبدا…
أخطاؤنا، وهفواتنا، وقراراتنا في لحظة ما وأفكارنا، كل هذا وذاك ما هو إلا قدرك الذي كتب لك، وبدل أن تضيع وقتك في الندم والتحسر على أشياء فعلتها ولم ترض عنها، اعلم أنه ربما في أخطائك تلك خير لك، وفي قراراتك تلك دروس لك، لن تستوعبها الآن، بل لن تعرف المغزى والخير من حدوثها إلا بعد حين..
فالله سبحانه وتعالى يطلب منا أن نعمل لتحقيق أهدافنا، ونبذل قصارى جهدنا لنصل إلى أحلامنا، إلا أنه عندما يكتب لك شيئا غير الذي كنت تطمح إليه، أو عندما يجعلك تختار شيئا تندم عليه فيما بعد، فاعلم أن في كل تدبير خير، ووراء كل قدر حكاية لن تشفر حروفها الآن..

اعمل بكامل قوتك وجهدك، واسع لتحقيق أحلامك، ثم ضع ثقتك في الخالق عز وجل، فهو يعرف جيدا كيف سيدبر أمرك ولو بعد حين…وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم…